m3rouf alkhoder
أهلاً بكم في المنتدى الخاص بمعروف الخضر يمكنكم تصفح الموقع ولوضع المشاركات يرجى التسجيل
m3rouf alkhoder

منتدى شعري ثقافي

designer : yaser marouf email:y.a.s.e.r.94@hotmail.com

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

كتاب " نشوء الأمم " للزعيم 1937

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 كتاب " نشوء الأمم " للزعيم 1937 في الخميس سبتمبر 15, 2011 9:15 pm

Admin


Admin
نشوء الأمم: الفصل السّادس : نشوء الدّولة وتطوّرها 7/10
الخميس, 04 تشرين الأول 2007



•7. الفصل السّادس : نشوء الدّولة وتطوّرها





• أ‌- الثّقافتان المادّية والنّفسية:


رأينا، في ما تقدّم من فصول هذا الكتاب، الأسس والخطط العامّة لتطوّر البشريّة وارتقائها في ثقافاتها الماديّة الناتجة عن تفاعل الإنسان والطّبيعة بقصد تأمين سدّ الحاجة وبقاء الذّريّة. ورأينا أيضاً كيف أنّ الثّقافة النّفسيّة جارت الثّقافة الماديّة وقامت عليها، إذ الحياة العقليّة لا يمكن أن تأخذ مجراها إلاّ حيث تستتبّ لها الأسباب والمقومات. ولذلك نجد التّطوّر الثقافيّ بجميع مظاهره يرتقي ويسبق غيره حيث أسباب الحياة أوفر وأرقى ممّا في سواه.

ولقد تكلّمنا عن الاجتماع البشريّ، وأشرنا إلى أنّه عريق في القدم وأنّه صفة بشريّة عامّة، حتّى إنّ ما قلناه بهذا الصّدد ليحمل على الاعتقاد أنّ اجتماعيّة الإنسان شيوعيّة بلا حدود أو قيود، والواقع غير ذلك. فالمجتمع الإنسانيّ ليس الإنسانيّة مجتمعة، ومن يدري هل يقدّر للإنسانيّة أن تصير مجتمعاً واحداً في مستقبل العصور ؟ وإذا كانت المجتمعات البشريّة الثّقافيّة تتقارب بعضها من بعض بعوامل ثقافاتها فلا يزال لنا في حالات بعض المجتمعات وشؤونها الاجتماعيّة بقية تدلّ على أنّ [البشريّة] والاجتماع البشريّ ليسا مدلولين شائعين بين جميع البشر. فالأسكيمو يسمّون أنفسهم فقط [أنويت] (الناس) وكذلك هنود الينويز ينعتون أنفسهم بالينويز(Ilinois: بشر) ومن حكايات الأسكيمو أنّ الأوروبيّ (الغريب) نشأ من زواج امرأة منهم وذئب قطبيّ(110).

تقصّينا فيما دوّناه آنفاً الأساس الماديّ للاجتماع البشريّ وأحواله وبهذا الفصل نبدأ بدرس البناء النفسيّ لهذا الاجتماع. ولعلّ الدّولة أجدر الشّؤون والمظاهر الثّقافيّة تمثيلاً للحياة العقليّة الّتي هي من خصائص الاجتماع الإنسانيّ حتى ليمكن القول إنّ الثّقافة الإنسانيّة والدّولة صنوان.



• ب‌- نشوء الدّولة:


وبديهيّ أنّ الدولة شأن ثقافيّ بحت، لأنّ وظيفتها، من وجهة النّظر العصريّة، العناية بسياسة المجتمع وترتيب علاقات أجزائه في شكل نظام يعيّن الحقوق والواجبات إمّا بالعرف والعادة ـ في الأصل ـ وإمّا بالغلبة والاستبداد. فهي إذن شأن من شؤون المجتمع المركّب، لا وجود لها إلا في المجتمع كذلك السّياسة لا وجود لها بدون الاجتماع.

وقد اختلف في بداءة الدّولة، هل هي في بداءة الاجتماع البشريّ (بدء البشريّة) أو في طور معيّن من أطوار ارتقاء هذا الاجتماع. فقالت نظريّة بأنّ الدّولة نشأت مع بدء الإنسانيّة وقالت نظرّية أخرى بأنّها نشأت حيثما ظهرت الفوارق الاجتماعيّة(111). وقد قال أرسطو في الدّولة إنّها تنشأ بعامل الحياة، ولكنّها تبقى في الحقيقة لتحقيق حياة حسنة الانتظام(112). ومع أنّ البحث المنطقيّ العقليّ يرغّبنا في تتبّع أسباب نشوء الدّولة وردّها إلى الخاصّة الإنسانيّة النّفسيّة المعيّنة بالتّمييز بين أنانيّة المرء (نسبة إلى أنا لا اسماً لحبّ الذّات) الظّاهرة في استعمال [أنا] وبين الظّاهرة الّتي توجد [أنت] ماثلاً أمام [أنا]، فإنّنا نخشى أن يقودنا مثل هذا البحث إلى الابتعاد كثيراً عن النّطاق المحدّد لهذا الموضوع. ولذلك فكلامنا على الدّولة، اجتماعيّاً، يجب أن يتّخذ نقطة الابتداء في واقع الدّولة أي في المجتمع المركّب ولو تركيباً بسيطاً. وفي كلّ حال يجب ألاّ يبرح ذهننا أنّ هذه النّقطة وهميّة، فأطوار الاجتماع البشريّ ليست مقاطع مستقلاً الواحد منها عن الآخر كلّ الاستقلال.



• ت‌- الدّولة في عالم الحيوان:


ولا بدّ لنا، قبل ولوج قلب الموضوع، من الاحتياط هنا لما احتطنا له في موضوع الاجتماع البشريّ، نعني اتّخاذ أمثلة للدّولة من عالم الحيوان. فمع ما في هذا العالم من أشكال التّجمع المرتّبة كوجود نوع من الزّعامة في بعض أنواع الحيوان وجماعات النّمل(113) ووجود صنف معيّن للقتال في جماعات النّمل الأبيض(114). فإنّ الفرق بين حقيقة هذه الظّواهر وحقيقة التّرتيب المنطقيّ العقليّ في تصنيف المجتمع الإنسانيّ كبير جدّاً. فالكلام على [دولة النّمل] و [دولة النّحل] يجب ألاّ يحملنا على التّفكير بوجود دول منشأة في هذه الحشرات والهوام.

إنّ الدّولة شكل من أشدّ أشكال الكيان الاجتماعيّ تعلّقاً بالعقل والمجاز(115) فلا يجوز مطلقاً أنّ ننقل هذا الاصطلاح الإنسانيّ المحض إلى عالم الحشرات، لأنّ مثل هذا النّقل يجعل قياساً واحداً وقيمة واحدة لما هو ثقافيّ وما هو طبيعيّ غريزيّ. ومع أنّ العالم أرخ وسمن(114) يشير بوضوح، في بداءة بحثه [الدّيمقراطيّة في دول النّمل والنّمل الأبيض] إلى الفوارق بين خصائص الإنسان وخصائص الحيوان النّفسيّة، فهو لا يتورّع، في مكان آخر من بحثه(116) عن أن يجد في صغر عقل عمّال النّمل الأبيض، بالنّسبة إلى كبر رأسها، التّعليل المنطقيّ للنّظام [الشّيوعيّ] في [دول] هذا النّمل !.



• ث‌- الحقوق الأوّلية


ليست الدّولة في ذاتها مقياساً للثّقافة العقليّة بل بما تنطوي عليه من حقوق. فلا بدّ لنا من إلقاء نظرة على بداءة الحقوق لكي نتمكّن من فهم نشوء الدّولة وتطوّرها في ظروفهما. يجب أنّ ننظر إلى الحقوق إذا كنّا نريد أن نحصل على تحديد حقيقيّ للدّولة(117).



• ج‌- الجماعة والفرد:


في أحطّ درجات الاجتماع البشريّ وأبسطها نجد الجماعة أو العشيرة وعبثاً نحاول أن نجد الفرد، فهو لا وجود له اقتصاديّاً ولا حقوقيّاً ولذلك فهو ليس بداءة الاجتماع ولا شأن له في تعيين الاجتماع وكيفيّته. ولا بدّ هنا من الإشارة إلى أنّ النّظرة الفرديّة للاجتماع الّتي يجدها الدّارس في [التّعاقد الاجتماعيّ] لروسو هي مستمدّة من حالة المجتمع بعد ظهور الفرد عاملاً فيه، وقبل ذلك لا اختيار للفرد في الاجتماع والمجموع. فوجوده الأنانيّ في تلك الحالة الأوّلية لا يظهر إلاّ في التّمييز بينه وبين غيره في بعض العلاقات النّفسيّة (الذّهنيّة). إن هو إلاّ نقطة في موجة صغيرة لا يمكنك تعيينها، كيفيّة وكميّة، إلا إذا فصلتها عن جسمها.

الموجة، الجماعة، هي كلّ شيء في بداءة البشريّة. والجماعة في الطّور الأوّليّ الّذي نحن بصدده خاضعة لجميع أنواع الرؤى والأوهام، وهذه الرؤى وهذه الأوهام هي كلّ حياتها النّفسيّة. لذلك نرى الحقّ والدّين شيئاً واحداً في البدء.



• ح‌- الطّوطميّة والتناسخ:


إنّ قرابة عرض الإنسان من عرض الحيوان في هذه الدّرجة جعل الإنسان يحسّ من نفسه في نفس الحيوان. فكثرت تخيّلات انتقال النّفس بعد الموت إلى حيوان أو إلى إنسان آخر. ومن ثمّ نشأ تشخيص نفس العائلة في كائن حيوانيّ أو نباتيّ وهو الطّوطميّة Totemismus. فاختصّت كلّ عشيرة أو فخذ نفسها بحيوان ــ وهو الأكثر ــ أو نبات أو جبل معيّن تعرف به(118). وفي المثال الأخير نجد اتّجاهاً نحو الإقامة. ومن نزول عدّة عشائر لطواطم مختلفة في بقعة واحدة ينشأ الطّوطم المكانيّ الّذي يجمعهم جميعاً ويخضع له كلّ واحد منهم(119).



• خ‌- الزّواج الخارجيّ:


أدّى الاعتقاد بتوافق الطّواطم أو بعضها إلى استحسان التّواصل الجنسيّ بين رجال طوطم معيّن ونساء طوطم آخر. وهكذا نشأ الزواج الخارجيّ المحتّم الّذي اتّخذ أشكالاً عدّة وحرّم الامتزاج الدّمويّ الدّاخليّ تحريماً يستحقّ من ينتقض عليه الموت(120).

وقد ظلّ الزّواج الخارجيّ أحقاباً طويلة زواج جماعات لا زواج أفراد. وطريقته أن تعتبر نساء الجماعة الواحدة مخصوصة لرجال الجماعة الأخرى النسيبة. فليس هنالك عقود زواج، بل إباحة الاختلاط بين رجال الجماعة الواحدة ونساء الجماعة الأخرى بدون حدود(121). وهنا نرى المظهر التّام لشيوعيّة العمل والنّتاج ((أنظرالفصل الرابع - توزع البشر ونشوء الجماعات)) مكمّلاً شيوعيّة العلاقات الجنسيّة ولكنّ هذه الشيّوعيّة الأخيرة محدّدة بالطّرق والأساليب المذكورة فوق.



• د‌- الحقوق الأموميّة:


يظهر أنّ الزّواج الخارجيّ كان مصحوباً بالحقوق الأموميّة، في الأصل. وهذه الحقوق تعني أنّ الأولاد يبقون في عهدة الأمّ ويكونون من نصيب جماعتها، إذ أنّ الجماعة، لا الفرد، هي صاحبة الحقّ وليس للأفراد حقوق غير حقوقها. فإذا فرضنا أنّ رجال جماعة معيّنة تزوّجوا نساء جماعة أخرى فإنّ الأولاد يكونون حصّة جماعة الأمّهات لا حصّة جماعة الآباء. ولعلّ هذه الحقوق ناشئة عن الحالة الطّبيعيّة الّتي توجب على الأمّ العناية بالأولاد بينما الرّجل يخرج إلى الصّيد والتّوغل.

ويرجّح أنّ هذه الحقوق هي الأقدم وإن كان ظهر أنّ الحقوق الأبويّة أيضاً وجدت في حالات قديمة جدّاً، وأحياناً إلى جانب الحقوق الأموميّة.

يكون الطّفل في حالة الحقوق الأموميّة متعلّقاً بالأمّ وعائلتها، عشيرتها، والرّجال الّذين يكونون إلى جانبها هم إخوتها، أخواله(122) الّذين تنشأ بينه وبينهم روابط متينة جدّاً.



• ذ‌- الحقوق الأبويّة:


هي نقيض الحقوق الأموميّة، فالولد للرّجل، لا للأمّ، حتى في إبانّ الزّواج الخارجيّ. ولكنّها في ذلك العهد ليست القاعدة بل الشذوذ عن القاعدة إلى قاعدة جديدة. وتعني هذه الحقوق في الزّواج الخارجيّ أنّ الأطفال المولودين من فريق رجال جماعة ونساء جماعة أخرى يخصّون جماعة الآباء وطوطمها، لا جماعة الأمّهات وطوطمها.

إنّ جميع الشّعوب المتمشّية على قاعدة حقوق الأبّوة قد خرجت إليها عن طريق حقوق الأمومة الّتي درجت عليها. وهذا التّحول حدث في أزمنة ليس لنا بها صلة تاريخيّة مطلقاً كالّذي حدث للساميّين والهندجرمانيين(123) من الشّعوب التّاريخيّة بحيث لم يعد ممكناً تقصّي ذلك تاريخياً لا في اقدم الشّرائع الساميّة الّتي هي أقدم الشّرائع طرّاً، كشريعة حمورابي، ولا في أقدم التّقاليد الهندجرمانية الممثّلة في [الفيدا] Veda.

ومن أهمّ مظاهر هذا الزّواج الخارجيّ الاجتماعيّة كون التّزاوج حاصلاً بين الأقرباء، أي بين أبناء الأخوال.

وبعد الانتقال من الشّيوعيّة والإباحيّة إلى الفرديّة لم تضمحلّ الإباحيّة بالمرّة بل تركت بقايا في الطّقوس الدّينيّة والعبادت ومن هذه البقايا الّتي عرفت في العالم السّاميّ كلّه وفي الهند وأماكن أخرى [بنات الهياكل] أو [بنات الآلهة] أو [بنات الشّعب] اللّواتي ينذرن ويكنّ مباحات(124). وقد رجعت مظاهرها في الشّيوعيّة الحديثة. وفي كلّ مجتمع حديث نوع من الإباحيّة المقيّدة أو السّريّة، يشكّل صمّاماً للحصر الّذي تولّده أعباء عقود الزّواج.



• ر‌- الزّواج الفرديّ والعقد:


تطوّر الزّواج الخارجيّ نحو الفرديّة واختصاص الزّوجين وفي هذه الحالة كان لا بدّ من إجراء عقد للزّواج. وقد يكون ما أدّى إلى إنشاء هذه المؤسّسة اضطرار بعض العشائر المتقاربة إلى الانقسام أو الارتحال، مضافاً إليه تولّد عوامل نفسيّة فرديّة.

وقد نشأ من الزّواج المجموعيّ نوع عرف بتعدّد الأزواج، كما نعرف عن الصّابئة في بلاد العرب(125). وسببه كثرة وأد البنات وقتلهنّ. وهذا النّوع أيضاً لم يلبث أن تطوّر نحو الزّواج الفرديّ وقد يكون من أهمّ عوامل هذا التّطوّر إقدام الرّجل على اختطاف المرأة الّتي يريدها. ومنذ السّاعة الّتي ابتدأ فيها الرّجل يشعر بقوّته وبرغباته الخاصّة حين كان يغزو ويعود ظافراً بالأسلاب والسبي، أخذ يخضع المرأة لإرادته ورغباته وهكذا أصبح الرّجال قوّامين على النّساء ووجدت هذه الحالة الّتي لا تزال سائدة في بلاد العرب طريقاً إلى الإسلام وثبتت فيه كما ثبت فيه الأخذ بقرابة الرّضاع الّتي هي من مصاحبات القرابة الدّمويّة في الشّعوب الّتي لا يزال اجتماعها أوّليّاً. والفضل في نشر هذه القرابة في العالم يعود إلى الإسلام بعد أن كانت منحصرة في القبائل العربيّة وفي القوقاس(126).



• ز‌- الزّواج بالشّراء:


أدّى اختطاف المرأة في الشّعوب الأوّليّة وفي الحالات الأوّليّة للشّعوب المرتقية إلى شراء الرّجل المرأة. ومع ضياع حقوق المرأة في حالة الاختطاف وحالة الشّراء تمكنت سيادة الرّجل وحقوقه الّتي أخذت تفعل في تطوير العائلة وما تنطوي عليه من حقوق وراثة وغيرها.

ومن هذا الشّراء الأوّليّ تطوّر الزّواج، مع ارتقاء المجاميع البشريّة، نحو الهديّة والعربون وما شاكل، ممّا أعاد إلى المرأة مركزها الشخصيّ وأزال عنها صفة السّلعة. وفي المجاميع المتمدّنة تحوّل معنى أنّ الرّجال قوّامون على النّساء إلى قصد العطف على المرأة والأخذ بناصرها، لا التّصرّف بها.



• س‌- الاستعباد:


يظهر أنّ الاستعباد نشأ من الغزو والسبي. ولعلّ المرأة المسبيّة كانت أوّل من استعبد من البشر. والاستعباد عموماً ليس قديماً جدّاً في العالم فهو غير ممكن وغير مفيد إلاّ في طور ثقافيّ مرتق نوعاً. إنّه نشأ مع تحوّل الجماعة إلى الزّراعة والإقامة اللّتين يمكن فيهما الاستعباد ويفيد. ونحن نرى أنّ العبيد يؤلّفون عنصراً هامّاً من عناصر الثّقافة الزّراعيّة الأولى، فهم الصّناع الأول الّذين تميّز بينهم العمل حرفاً خاصّة، فأقامهم سادتهم في منازلهم وفي حقولهم كما أشرنا إلى ذلك في الفصل المتقدّم ((أنظرالفصل الخامس- تطور الثقافة العمرانية )).

وقد كثر الاستعباد في الأزمنة التّاريخيّة فاتخذ الفينيقيون عبيداً يكلون إليهم العمل في صناعاتهم وتجاراتهم وزراعاتهم. ولعلّ الاستعباد عندهم كان أرحمه لأنّهم كانوا أهل تجارة واسعة، واستخدام العبيد في الشّؤون التّجاريّة أخفّ وطأة منه في الشّؤون الزّراعيّة. واستعبد الإغريق واقتبس الّرومان عن الفينقيّين في أفريقية فوائد استخدام العبيد في الزّراعة وقلّدوهم في هذا المضمار(127) وتضخّم الاستعباد في رومة حتى انفجر عن ثورات أروعها ثورة نشبت في صقلية على أثر الحرب الفينيقيّة Punic الثّالثة وبطلها رجل سوريّ اسمه بالإغريقية يونس استوحى آلهة سوريّة لإثارة العبيد زاعماً أنّ الآلهة السّوريّة جميعها دعته ليتولّى ملكاً. وبالفعل أنشأ يونس مملكته فجرّد جيشه على الجيوش والمدن وأثخن فيها ودوّخ البلاد ونادى بنفسه ملكاً باسم أنطيوخس تيّمناً بالإمبراطور السّوريّ السّلوقيّ الكبير، وسمّي أتباعه سوريّين(128) ولكنّ ملكه كان قصير الأجل ولم تنجح حركته التّحريريّة إلاّ فترة قصيرة.



• ش‌- الثأر:


نرى في حياة الجماعات الأوّليّة منذ العهد الطوطميّ، أنّ الحقوق الجزائيّة تناولت شكلي العلاقات الاجتماعيّة الخارجيّ والدّاخليّ، الأوّل لما يحدث من قبل جماعة أو بعضها لجماعة أخرى والثّاني لما يحدث من قبل أفراد في الجماعة نفسها. وكثيراً ما تؤدّي هذه العوارض إلى حروب بين العشائر والقبائل المتجاورة طلباً للثّأر. وسببه الأصليّ طلب التّعويض عن الخسارة الّتي منيت بها عشيرة المصاب فأضعفتها في عددها تجاه العشيرة الأخرى. ولا يبحث في مثل هذه الأحوال عن الحقّ والذّنب والاعتداء كيف وقع بل تطلب العشيرة أو القبيلة إلحاق خسارة مثل خسارتها بالعشيرة أو القبيلة الّتي خرج منها الاعتداء أو القتل. وكلّ مقتول هو للعشيرة اعتداء عليها هي. والثّأر يؤلّف وجهة الحقوق الجزائيّة الوحيدة في الشّعوب الأوّليّة أو المنحطّة. وهو يدخل التّقاليد ويرتقي فيها كما نجد عند العرب الّذين ملأ الثأر تقاليدهم وحكاياتهم وقصائدهم حتّى أصبح واحدهم يكاد لا يعيش لشيء إلاّ [ليدرك ثأراً أو ليدرك مغنماً].

ويظهر جليّاً سبب الثّأر المذكور آنفاً في شعر لحسان بن ثابت وهو:

وشريف لشريف ماجد

لا نباليه لدى وقع الأسل !



فالثّأر ليس للقصاص من أجل العدل الاجتماعيّ بل للتعويض عن الخسارة. وأصبح تقدير هذه الخسارة مضماراً للمسابقة الشّعريّة والتّفاخر بين القبائل:

نحن قتلنا سيّديهم بشيخنا

سويد، فما كانا وفاء به دما (129)



وقول الآخر:

أصبنا به من خيرة القوم سبعة

كراماً ولم نأكل به حشف النّخل(130)



أمّا في قبائل غينيا الجديدة فالثّأر يجب أن يتّصل بالواتر ولو بعد قتل عدّة من أهله قبله(131). وقد أدّى تأصّل عادة الثّأر والمغالاة به إلى حروب كثيرة لم يوقفها إلاّ نشوء عادة التّعويض الماديّ عن الخسارة أي الدّيّة(132) أو [تعفية الكلوم] كما في قول زهير بن أبي سلمى:

تعفّى الكلوم بالمئين فأصبحت

ينجّمها من ليس فيها بمجرم(133)





أمّا الحقوق الجزائيّة الدّاخليّة أيّ الّتي تتعلّق بما يرتكبه الرّجل في عشيرته وقبيلته، فشأنها يختلف عن حقوق الجزاء الخارجيّ. والسّبب عامل حفظ النّوع المصغّر في العشيرة أو القبيلة. فالإنسانيّة والاجتماع الإنسانيّ لرجل العشيرة أو القبيلة هما عشيرته أو قبيلته. وهذا العامل يهمّ الجماعة في مصيرها ولذلك لا يكون ضمن العشيرة حرب وقتال في سبيل الثّأر. والقبيلة تحتاط لنفسها ضدّ أهل الشّقاوة الدّاخليّين بطردهم أو برفع حمايتها عنهم.

وقد وجدت الجماعات الأوليّة مخرجاً ممّا يجرّ إليه الثّأر في حقوق الإجارة، خصوصاً في المجاميع الّتي أخذ فيها نظام العشيرة ينحلّ في القرية إلى نظام العائلة الفرديّة والثّأر الفرديّ.



• ص‌- في الدّولة


•· واقع الدّولة:


أثبتنا فيما تقدّم صورة للحقول الأهليّة الّتي هي نتيجة القوى المناقبيّة الّتي تعمل في المجتمع لتأمين سلامته. وفي هذه الحقوق لا نجد الدّولة بل المجتمع وأوهامه (دينه) وعاداته. ولسنا نجد واقع الدّولة إلاّ حيث نجد في المجتمع قوّة فيزيائيّة تخضع أو ترهب(134).

ولكن لا بدّ لنا هنا من العودة إلى ما قلناه في أوائل هذا الفصل من أنّه لا يمكن تعيين حدود حقيقيّة فاصلة بين طور من أطوار الثّقافة الاجتماعية وغيره. ففي رجوعنا إلى أوائل عهد الدّولة نظلّ نتوغّل في الماضي أو ننحدر مراقي الثّقافة حتى نبلغ نقطة تلتقي عندها السّياسة بالاجتماع فكأنّهما شيء واحد. ففي الشّعوب الّتي لا تزال قيد الفطرة، بالنّسبة إلى الشّعوب الثّقافيّة، نجد نقطة الاتّصال بين الدّولة والمجتمع في الطّوطميّة ((أنظر الطّوطميّة والتناسخ)) ففي تقارب الطّواطم بعضها من بعض واتّحاد عشائرها في الزّواج وإنشاء الطّوطم المكانيّ الّذي يجمع الكلّ في متّحد اجتماعيّ ينقسم إلى طواطم فرعيّة، نجد نظم الدّولة العشائريّة أو القبيليّة الّتي لا يكون جزءاً منها إلاّ من هو ابن العشيرة الدّاخلة في هذا النّظام(135).

بيد أنّ هذا الاتّحاد لا يكفي للدّلالة على واقع الدّولة. فقد تجتمع العشائر وليس لها في تنظيم أحوالها من الوسائل سوى المناقبيّة منها(136). وهي العادة والعرف والتّسليم للأوهام. ويندر الخروج على هذه القوى بين الأفراد لتساوي النّظر في الحياة ونقص الاستقلال النّفسانيّ في الجماعات الأوليّة(137). ورويداً رويداً نبتدئ نلاحظ ظواهر اجتماعيّة جديدة نشأت مع الاستئثار بالمرأة والبطولة في المعارك والإقدام في الصّيد، وهذه الظاهرة هي: قيام الرّأس، أو الشيّخ، على العشيرة. فإنّ الشيوخ قضوا على ما كان باقياً من دستور الطّوطم وأنشأوا المملكة الخاصّة أو بالحريّ الإمارة، وأسسّوا سلطتهم عليها(138)، وفركنط(139) يزعم أنّ الرؤوس يظهرون في تركيب دوليّ أعلى من الدّرجة الأولى تتفرّع منه وحدات أصغر منه. وممّا لا شكّ فيه أنّ الدّرجة الّتي يظهر عليها الشيخ هي فوق درجة الطّوطميّة، إذ تكون المشيخة قد قضت على الطّوطميّة. ولكنّنا هنا فقط نجد صورة الدّولة في ما يمكن أنّ نسميه سلطة، أو أداة تنفيذيّة، أو قوّة فيزيائيّة



•· فوارق السّلطة:


كلّ دولة مهما كانت بسيطة تتألّف من ثلاث وظائف: تشريعيّة وتنفيذيّة وقضائيّة، تقوم على ثلاثة أصناف [سياسيّة] لكلّ مجتمع له ابتداء دولة هي: الجنس والسّن والشّخصيّة، يضاف إليها، مع تقدّم العمران، صنف العبيد. وكان طبيعيّاً أن يعيّن الجنس الدّولة، إذ لمّا كان أهمّ عناصر الدّولة القوّة الّتي بها تتمّ السّلطة كان بديهيّاً أن يقوم الجنس القويّ ــ الرّجال ــ بأمر الدّولة. أمّا المرأة فمع أنّه كان لها حريّة في تصرّفها في عهد الزّواج الشيّوعيّ الإجماعيّ فهي لم تكن تشترك في الحياة السّياسيّة إلاّ نادراً وأندر منه أن يكون لها نفوذ راجح فيها. والعبيد أيضاً لم يكن لهم شأن قطّ في الحياة السياسيّة، اللّهم إلاّ المشاكل العديدة الناشئة عن وجودهم وكثرتهم.

إنّ الصنف الهامّ الّذي كان له التّأثير الأرجح هو السّنّ. فحيث الحياة تجري بالاختبار المباشر يكون للسّنّ أهمية فاصلة في البتّ في شؤون المجتمع السياسيّة، وكلمّا ارتقت الشّعوب في حياة الاختبار مداورة وتشعبّت العلوم وتراكمت موادّها الأبجديّة، هبطت أهميّة السّنّ من حياة المجتمع السياسيّة.

يأتي بعد السّنّ، وفي درجة أعلى منه، الشّخصيّة. ومع أنّنا نعلم أنّ شخصيّة الفرد من وجهة نفسيّة (عقليّة) عصريّة لا وجود لها في الأقوام الآخذة بالفطرة فإنّ الفوارق الشّخصيّة فيها ليست معدومة بالمرّة. ذلك لأنّ المواهب الطّبيعيّة ليست عقليّة فقط ، بل فيزيائيّة أيضاً. فتفوّق بعض أفراد العشيرة أو القبيلة في حروبه وغزواته يكسبه شخصيّة بالنّسبة إلى حالة عشيرته أو قبيلته الاجتماعيّة. وهكذا نجد وظائف الدّولة تقابل بتشكيل الدّولة من الشّيخ أو الأمير وشيوخ القبيلة أو العشيرة واجتماع الشّعب. وحيث يتّسع نطاق الدّولة يسقط اجتماع الشّعب ويبقى الأمير والشّيوخ. ولا يعني هذا التّقسيم مطلقاً أنّ هنالك توزيعاً لوظائف الدّولة يجعل السّلطة التّشريعيّة أو التّنفيذيّة في الأمير أو مجلس الشيّوخ على أن يكون كلّ منهما مرجعاً خاصّاً لإحداهما وكذلك القضاء.



•· الاتّصال بعالم الأرواح والتّشريع والقضاء:


يصعب كثيراً على السوريّ العريق في المدنيّة والفلسفة العقليّة أن يتصوّر اليوم حالة الأوهام الّتي كانت للإنسان الأوّل والّتي لا يزال عليها بعض الشّعوب الابتدائيّة الملازمة للفطرة. فإنّ الرّعب والوهم وهواجس الخوف والحياء تجاه الطّبيعة الفائقة القوّة ولّدت في الإنسان الفطريّ تصوّر قوى مغيّبة تسيطر على الطّبيعة والرّوح الإنسانيّة. وقاده هذا التّصوّر إلى محاولة اتقاء شرّ هذه القوى الخفيّة بتخطيط قواعد لحياته. وهذا هو أصل العقائد الرّوحيّة التي أخذ الإنسان المرتقي يعالجها حتى بلغ فيها فكرة الله, ثم هو أخذ الآن في معالجة هذه الفكرة نفسها ليجعل من الدّين مثالاً أعلى جميلاً، خالياً من صور الرّهبة والتّهويل مجرّداً من المشوقات المذهبيّة.

أدّى تصوّر القوى الخفيّة المخيفة إلى عقائد غريبة منها عبادة الأجداد وتصوّر عالم أرواح تأتي منه الرّوح وتعود إليه. ولم يطل الوقت حتّى نشأ سلك السّحرة والعرّافين، أسلاف الكهنة والقسس والأنبياء. فكان لهم تأثير كبير على المجموع بإعلان إرادة عالم الأرواح الّذي كانوا يدّعون الاتّصال به وهكذا تمكّنوا من إنشاء عادات جديدة واتخذوا لأنفسهم صلاحيّة إصدار الأحكام باسم الأرواح المحجوبة، باسم الآلهة.

وليس قليلاً تأثير الاعتقاد بالأرواح وبالاتّصال بأرواح الجدود على الحقوق الأوّليّة وممارستها خصوصاً فيما يتعلّق بالثّأر ومنه الأثر الآخذ في الزّوال من الأدب في سورية الظّاهر في المجاز: [عظام الجدود تنتفض في قبورها]. ومن مثل هذه المعتقدات أنشئت مؤسّسة الطّابو Tabu السّحريّة الّتي صار لها تأثير كبير على الحقوق [المدنيّة] والإدارة العامّة كما سيجيء.

وهكذا نجد أنّ التّشريع كان يستند في البدء إلى السّحر والعرافة (الدّين)، فضلاً عن العادة التي هي أولّ القوانين. فيكفي، لدى الشّعوب الفطريّة، أن تعلن سابقة أو وحي من عالم الأرواح تعزى إلى بعض الجدود المشهورين(140) لسنّ قانون جديد. وإنّ من أهمّ قوانين الجماعات الأوليّة: ما مشى عليه الأجداد، فالأجداد مقدّسون، بل هم آلهة، وكلّ ما كان جيّداً لهم يجب أن يكون جيّداً للأبناء.

ولكنّ هذه الجماعات، أو المتقدّمة منها، لا تعدم سنّ القوانين بالاستنباط ، الفرديّ، كما يجري في بعض قبائل شرقيّ أستراليا، حيث تجتمع عشائر القبيلة في وقت معيّن من السّنة فيقترح أحد الشّيوخ رأياً قد يكون بحثه مع هيئة شيوخ عشيرته فإذا لاقى رأيه الاستحسان صار قانوناً(141) وفي الجنوب الشّرقيّ من أستراليا يقوم مقام الرأس في طرح الاقتراح السّاحر أو العرّاف الّذي يدّعي أنّه قد رأى في نومه أو أنّه قد أوحي إليه.

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://m3rouf.mountada.net

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى