m3rouf alkhoder
أهلاً بكم في المنتدى الخاص بمعروف الخضر يمكنكم تصفح الموقع ولوضع المشاركات يرجى التسجيل
m3rouf alkhoder

منتدى شعري ثقافي

designer : yaser marouf email:y.a.s.e.r.94@hotmail.com

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

حياة الزعيم انطون سعادة ....الأمين بشير موصلي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

Admin


Admin
- اول محاكمة –

قاعة المحكمة اكتظت بالحضور , وكلهم فضول للتعرف على الشاب مؤسس الحزب انطون سعاده وخاصة وهو يثير غضب رئيس المحكمة بتجاهله الرد على المناداة باسمه " انطوان سعاده " مرات عدة . وطال الصمت حتى " ظن البعض ان الوجل احاق به فخارت عزيمته وعقل لسانه " ونبهه المحاميان حميد فرنجية وحبيب ابو شهلا الى " ان الرئيس يناديك " فاجابهما سعاده بهدوء تام " لم اسمع الرئيس يذكر اسمي " , واستوضح الرئيس الامر فاجيب ان المقصود بالمناداة حاضر ولكنه لا يجيب لانه لم يناد باسمه الصحيح . ويسأل الرئيس ما اسمه , ويوجه سعاده كلامه للمحاميين اسمي " انطون سعاده " ويعيد المنادي " انطون سعاده " فينهض :" حاضر ".

عندها " تشخص الابصار الى الفتى الذي فرض شخصيته وطريقة تفكيره على المحكمة منذ اول احتكاك معها ". بالرد على الاتهام :

" حضرة الرئيس : اني سوري وفي بلادي. واني اقود حركة تحريرية ترمي الى اقامة السيادة القومية وجعلها مطلقة , فلست اقبل ان احمل على الكلام في البلاد بغير لغتي ". وتم للزعيم ما اراد وترجم كاتب المحكمة كلامه جملة جملة .

سرد رئيس المحكمة تأسيس الحزب , واتهمه بخرق وحدة البلاد الجغرافية وانتهاك حرمة الارض فاجابه سعاده :" اني متهم بخرق وحدة البلاد فاراني مضطرا علميا لا بالعاطفة للقـــول : ان خرق وحدة وطننا الجغرافية وانتهاك حرمة ارضنا قد تما بالفعل في سان ريمو وسيفر ولوزان , والمسؤولون عن ذلك هم غير الحزب السوري القومي ".

" نشوء الامم "

نعود اذن الى الاعتقال الاول 1935 لنرى كيف تمكن سعاده فيه من تدوين كتابه المشهور " نشوء الامم " , الذي لا يزال حتى اليوم مرجعا علميا مهما في علم الاجتماع باللغة العربية . واكمل انجازه خلال فترة السجن الثانية 1936 وطُبع عام 1938 .

في 12 ايار 1936 , كان بعض المسؤولين والرفقاء يجتمعون بسعاده وسط داره , ملتفين حوله في شكل دائرة , يتحدث اليهم عقب الافراج عنه حول مرسوم الحكومة بحل الجميعة المسماة " الحزب القومي السوري " فاعلن يومها , بأن " الحكومة يمكنها حل الحزب بمرسوم ولكن الحزب قائم بارادة الشعب . وارادة الشعب تستطيع حل الحكومة . ولكن الحكومة لا تستطيع ن تحل ارادة الشعب ". ولا شك ان مثل هذا التصريح يزعج اوساط السلطة . ويدفعها الى التفكير الجدي الفعال لوقف هذا المد الثوري ووضع حد لصاحبه .

من اسباب الاعتقال الثاني ردة الفعل الشعبية والحزبية بعد الافراج الاول عن سعاده ورفقائه وما صاحبها من " تظاهرات الابتهاج والتأييد والحماس الشعبي " . وقد حركت مخاوف الامن العام الفرنسي من انتشار الحزب خارج اوساط الطلاب والشباب وانتقاله الى اوساط الشعب كافة . فاصبح جميع العاملين النشيطين في الحزب بالاضافة الى القيادة تحت رقابة شديدة , مهدّت للاعتقال الثاني .

اول تظاهرة حزبية

يوم الثلاثين من حزيران 1936 , بعد اتهام المنفذ العام عبد الله جميل بتأديب احد الصحافيين المتهجمين على الحزب . طوق رجال الامن , وعلى راسهم الامير فريد شهاب , منزل سعاده ودخلوه عنوة بعد عراك مع الرفقاء الموجودين في الساحة . وخرج الزعيم وانتهر رجال الامن فانسحبوا خارج المدخل ما عدا رئيسهم فريد شهاب , الذي ابلغه مذكرة توقيف . فعاد الى الغرفة وكتب مرسوما بتعيين مجلس اعلى موقت . و كانت التهمة اعادة تشكيل الحزب الذي صدر مرسوم بحله .

المجلس الاعلى الموقت الذي عينه الزعيم كان برئاسة صلاح لبكي المحامي والشاعر وعضوية نعمة تابت ومامون اياس وفوزي البردويل ويوسف بحمدوني .

في الثامن من تموز ( يوليو ) 1936 ينظم الحزب اول تظاهرات حزبية قررتها القيادة المركزية لدعم موقف سعاده . ففي كل منطقة سيتظاهر القوميون امام السراي المحلية ومخافر الدرك او الشرطة . وتنطلق التظاهرات في طرابلس وضهور الشوير وكفر مشكي والكورة والاشرفية حيث قدم المسؤول عن التظاهرة الرفيق فيليب فارس عريضة جاء فيها " لما كنتم اعتقلتم زعيم السوريين القوميين من اجل عقيدته . ولما كنا نحن ايضا ندين بالعقيدة ذاتها , لذلك جئنا طالبين اعتقالنا معه الى ان يفرج عن الزعيم من السجن والى ان يخلي المحقق الذين لم يثبت بحقهم شيء ".

- نشيد الحزب -

في ذلك السجن وضع سعاده نشيد الحزب . ويروي فيكتور اسعد بان سعاده واثناء مروره الى زنزانته المنفردة رمى الى القاووش ورقة صغيرة ملفوفة فيها شعر جميل نظمه سعاده . وفي اسفله ملاحظة " يعلمنا فيها انه نشيد يمكن غناؤه على نغم اللحن الروسي استنكرازن " .

ومن غرفته المنفردة مرر الزعيم كلمات النشيد الى بقية الرفقاء المساجين وطلب منهم التمرن على انشادها بنغمات اللحن الروسي , الذي يعرفه فيكتور اسعد لينشدوه جميعا في وقت واحد عند تلقيهم الاشارة من سعاده وهكذا كان .

ما حدث داخل المعتقل عبّر عن قوة وصلابة سعاده ورفقاءه بمواجهة السلطة المنتدبة واعوانها من الدرك , كما عبر عن مدى صبره واناته وتجلي قدرته القيادية وما يتمتع به من مناقبية , وتميزه باحترام النظام والقانون عندما لا يتجاوز القانون على حقوق امته ووطنه ولا يعتدي عليها .

خارج السجن

اما خارج السجن فكان اعضاء الحزب " والمسؤولون يكملون الطريق " . فلا تكاد تخلو منطقة من انتماءات جديدة ترافقها اعتقالات ومضايقات , في الارزاق والوظائف , عدا حملات التفتيش المستمرة لمحلات ومتاجر ومكتبات وبيوت " المشبوهين " بانتمائهم الى الحزب . وهكذا من انطلياس الى المتن الشمالي " ضهور الشوير , بتغرين , زرعون , الخنشارة , بسكنتا . امتدادا الى المتين . وكذلك في المتن الاعلى , ورأس المتن ويزيدين وكفر سلوان وقبيع والعبادية وبتخنية وغيرها من القرى , انتقالا الى الطرف الآخر في عاليه وبشامون وصيدا وعماطور وبعقلين ومشغرة في البقاع الغربي , وفي زحلة انتهاء بدمشق وحمص وحماه وتل كلخ وصافيتا وحلب واللاذقية وطرطوس وبانياس . وتميزت هذه الفترة باصدار سعاده " بلاغ الى الراي العام " عرف بـ " البلاغ الازرق " في 15 تموز 1936 .

في 16 تشرين الثاني 1936 بعد الافراج عن سعاده وقع اصطدام بين حزب " الوحدة اللبنانية " وحزب " الكتائب اللبنانية " المارونيين من جهة وبيـــن " الكشاف المسلم " و " فرق النجادة " من جهة اخرى . ومنعا لحدوث فتنة طائفية , توجهت فرقتان حزبيتان بامر من سعاده , احداهما بقيادة جورج عبد المسيح الى البسطة , والثانية بقيادة مأمون اياس الى الاشرفية . والقى القوميون خطابات بجموع المتظاهرين امام الطرفين دعت الى التهدئة ونبذ العصبيات الدينية ونجحوا في تنفيس الاحتقان . ونلاحظ هنا ان قائد الفرقة الى البسطة الاسلامية , كان مسيحيا , والآخر الى الاشرفية المسيحية كان محمديا , لان سعاده كان يفرض محاربة الطائفية بالممارسة والتصدي لا بالمناورة والمداورة .

لقاء مع رياض الصلح

فترة الاستراحة بعد الاعتقال الثاني ملآها سعادة برحلة سياسية الى طرابلس و " منطقة العلويين"المتاخمة لانطاكية واسكندرون في منتصف كانون الاول 1936 . فامضى يوما في طرابلس بزيارة الامينة الراحلة نجلا معتوق , متابعا الى صافيتا ليلقي خطابا في حشد تجاوز الخمسة آلاف نسمة في ساحة " الميدان " وكانت المرة الاولى لظهور الحزب علنا الى الشام .

وبعد صافيتا يزور سعادة مرمريتا ومشتى الحلو ومتن عرنوق وطرطوس . وفي تلكلخ احاطت الموكب كوكبة من الفرسان من كل جانب , لتعطي الاستقبال والرجل متاعب الى جانب ما ستجلبه من مؤازرة واقبال وانتشار .

قبل سفره الى المهجر , لاسباب امنية تتعلق بسلامته سبقت سفره مقابلة تأريخية مهمة يلتقي فيها , رياض الصلح بانطون سعادة , قبل اثنتي عشرة سنة من اغتيال سعادة في 8 تموز (يوليو) 1949 المتهم رياض الصلح بالضوع فيها .

كان ذلك في منزل المرحوم موسى نمور ( رئيس المجلس النيابي ثم وزير الداخلية وقتذاك ) , وعلى ما يروي عبد الله قبرصي وهو يتذكر (ص99), انه سمع من سعادة نفسه وقائع اللقاء بان سعاده قال لرياض الصلح :" ان اهم ما قصدته في مبادئ حزبي الاصلاحية هو علمنة الدولة والغاء كل آثار الطائفية من النصوص ومن النفوس ". ويبدي رياض الصلح تجاوبا وحماسا لاراء سعادة ويوافقه على هذا الالغاء " ولو كلف الدولة والشعب عشرة آلاف ضحية ". ويدل تعقيب رياض الصلح الفوري على ما قاله سعادة على ادراكه خطورة وصعوبة الوضع الطائفي . وبالتالي اهمية الغائه مهما كلف من تضحيات وضحايا ولو وصلت الى عشرة آلاف ضحية .

رأيه في بيير الجميل

في 17 تشرين الثاني ( نوفمبر ) 1937 يحل خير الدين الاحدب رئيس الحكومة اللبنانية الجمعيات ذات الاتجاهات شبه العسكرية Para – Militaire , ويشمل الحل " القمصان البيضاء " و " النجادة " و " الكتائب اللبنانية " . وتتمرد " الكتائب " على قرار الحل , وينزل بيار الجميل وهو رئيسها وكان في مطلع شبابه مع بعض رجاله الى " ساحة البرج " , ويتظاهرون ضد القرار , ويعطي حبيب ابو شهلا وزير الداخلية امرا بقمعها بالقوة , فقمعت وجرح بيار الجميل جرحا بسيطا , وسجن مع بعض رفاقه . ذلك كان الاصطدام الوحيد بين " الكتائب اللبنانية " و " السلطة " , ولم يحدث ان اصطدم بيار الجميل ورجالـــه بسلطات الانتداب لمقاومــــة الانتداب , كمـــا يذكر بعض " الكتائبيين " في ادبياتهم .

وعلى الرغم من موقف بيار الجميل من انطون سعادة لم يفوت الزعيم الفرصة فاعطى رأيه بتصريحات الجميل قائلا:" ان بيار الجميل يريد سحق راسي , اما انا فاتمنى سلامة رأسه ". ويضيف :" بيار الجميل جندي شجاع ولكنه قائد فاشل او " ضيق " .

بعد اعتقال دام ستة اشهر في 1935 , واربعة اشهر في 1936 وثلاثة اشهر في عام 1937 , قرر انطون سعادة السفر الى المهجر , ليفوت على السلطة ما اعدته له من ملفات جديدة ملفقة بمواضيع غير سياسية للاساءة الى سمعته وتوقيفه للمرة الرابعة , لارغامه على الدخول مع السلطة بمواقف دفاعية عبر وسائل اعلام تسيطر عليها الدولة . فيما الحزب لا يزال في مطلع نشوئه ولم يتصلب عوده كما يريد ولا اعلام عنده .
عند الامير عبد الله

سافر سعاده اولا الى عمان , وامضى يومين في دمشق تفقد المنفذية خلالها في حزيران 1938 , مفوتا على الامن فرصة اعتقاله , بعدما اعدوا له مذكرة جلب بحجة الاستجواب .

في عمان تترتب لسعاده مقابلة مع " الامير" عبد الله بحضور"ابو فيصل " الذي رتب المقابلة , الذي روى بنفسه لعبد الله قبرصي وقائعها بعد سنوات . وهو اردني صديق حميم للامير وللحزب في آن معا فيقول :" دخل سعاده الديوان الاميري من دون ان يكون على علم مسبق بالبروتوكول على ما يبدو . وسلم على الامير عبد الله , وجلس قبل ان يجلس الامير . فبقي الامير واقفا من دون ان يلفظ كلمة . ففهم سعاده ان المقابلة انتهت فحيا وانصرف وغضب الامير , كما غضب سعاده ". وغادر الى فلسطين .

كان مع سعاده حقيبتان , وفي جيبه ما لا يكفيه لارسال برقية . بينا كان في عناوين الجرائد اللبنانية " هاربا حاملا خزينة الحزب ". احدى الحقيبتين كانت ملآى بمئة نسخة من كتاب " نشوء الامم ". باعها كميل جدع بـ 35 جنيها استرلينيا لسد حاجات سعاده المالية مؤقتا ريثما تصله الحوالة من اسد الاشقر في افريقية . ومن فلسطين يصل سعاده الى قبرص , في 23 حزيران بطريقه الى رومة لزيارة مفوضية الحزب بعدما عين كميل جدع ضابط ارتباط له مع المركز .

في ايطاليـــــا

وفي روما رحب اعضاء الحزب بقدومه في 28 تموز وعقدوا لقاءات كثيرة معه , وتلقوا توجيهاته وتعليماته , قبل ان يغادر الى برلين ويلتقي الدكتور منصور عابدين بك مدير المديرية المؤلفة من طلاب شاميين وفلسطينيين ولبنانيين , ولم يقابل في برلين سوى رئيس منظمات الشباب الالماني في لقاء مجاملة قبل ان يغادر الى البرازيل ويعتقل فيها لمدة ثلاثة اشهر بسبب تلك اللقاء واتهامه بعلاقة مع المانيا وايطاليا بتحريض فرنسي وغيره من الجهات , قبل ان يفرج عنه بعدما ثبتت براءته .

اعتبارا من سفر سعاده الى المهجر ينفصل نشاطه عمليا عن نشاط الحزب في الوطن , فيعمل هناك بالوتيرة ذاتها ليلا نهارا من اجل الحزب وانتشاره وتأسيس فروعه في المهجر , ويتواصل مع المركز في حدود الامكانات المتاحة . واهم انجازات تلك المرحلة اصداره جريدة تنطق باسم الحزب بالتعاون مع فؤاد وتوفيق بندقي صاحبي مطبعة عربية , وانتقى لها اسم " سورية الجديدة " . ولم يعد باستطاعته العودة للوطن بسبب نشوب الحرب العالمية الثانية .

اعلان الحرب العالمية

ومن الصفر انطلقت الجريدة بثماني صفحات , وانتشرت بسرعة وحركت احقاد الانعزاليين مجددا , فتقدموا بوشاية اثمرت عن اعتقال سعاده والتحقيق معه . ويعلن مدير الامن العام لوفد الصحافة المحتج على الاعتقال " ان انطون سعاده موقوف بتهمة القيام بنشاطات غير قانونية تمس بامن وسلامة الدولة ". ومن داخل السجن امكن لسعاده متابعة كتابة المقالات في الجريدة . وبلغ عددها عشرين مقالا , على الرغم من مرضه وسوء حالته الصحية قبل فترة من يوم اعتقاله عند شقيقته عائدة , حيث كان قيد المعالجة في دارتها . وازدادت صحته سوءا دخل السجن مما دفعه للكتبة لمدير السجن شارحا وضعه السيء .

سنة 1940 وبعد حوالي سبعة اشهر ينتشر الحزب انتشارا كاسحا في الارجنتين في طول البلاد وعرضها , ولكن سعاده يتعرض الى وضع صحي سيء واحوال مالية اسوأ , ويواجه انتكاسات من بعض العاملين .
الـــــــزواج

بعد انتماء جورج المير وشقيقتيه جوليات وديانا باشهر , لفتت جوليات نظر سعاده وانتهى اعجاب سعاده بجوليات المير الى زواج , وانجب ثلاث بنات : صفية واليسار وراغدة .

تمكن سعاده من تأسيس اول واقوى جماعة منظمة في المهجر ترتبط بالوطن برباط قومي ووطني يثيرها القلق على الوطن , وعلى ما يجري فيه وحوله . وابتداء من 15 آب 1942 حتى الاول من كانون اول 1942 نشر سعاده بحثه المهم الآخر الشهير في ثماني حلقات بمجلة " الزوبعة " جمعت كلها بكتاب واحد حمل عنوان " الصراع الفكري في الادب السوري ", مزودا بملاحق لكل من الادباء محمد حسنين هيكل وخليل مطران وطه حسين وعباس محمود العقاد .

آلام وتضحيات

عام 1946 كان العام الاخير في المغترب القسري قبل العودة . وعادت فيه مجلة " الزوبعة " الى الصدور في آب ( اغسطس ) مع بدء ذروة نشاط سعاده الاتصال مع المركز ببيروت . فبالاضافة الى المقالات والمراسيم بدأت الرسائل تتجه الى الوطن عبر القاهرة ومنها الى بيروت ودمشق وطرابلس وحمص , ومن الارجنتين الى البرازيل وافريقية والمكسيك والولايات المتحدة . ومن الاسماء البارزة المعروفة في الوطن ووجه سعاده رسائل لها كان غسان تويني ( 10 رسائل ) واكرم الحوراني ونعمت تابت .

كانت حياته ومعاناته في المهجر ملحمة انسانية بكل المعنى وبكل معنى المواجهة والممارسة حتى يحقق نتيجة توخاها " وقد حصلت النتيجة " على الرغم مما تعرض له صحيا من متاعب وآلام فكتب الى وليم بحليس متألما :
" هل خطر في بالك او بال فؤاد في هذا الشأن وفي ما آل اليه جسمي بعد كل ما مر علي من المحن القاسية ؟ وهل يخطر لك ان تسأل كيف يقدر هذا الرجل ان يحافظ وهو في هذه الحالة على شيء من قوة الذاكرة ....ان هذا الجيل الكثير المفاسد العديم قوة التصور لا يعرف الا ان يطلب فكلمة هات دائما في فمه . انه يشبه صبيا عديم التربية له في كل ساعة مطلوب جديد يضج ويصخب ليأتيه احد به . ان هذا الجيل يظنني آلة تشبه الكرامفون حصلت له ليلهو بها وليغير عليها الاقراص ..." ..."اتعرف اني بيت مدة ولا ازل غير آمن استقراري المعاشي " ...." قمت في العشر سنوات التي مضت باكثر كثيرا مما هو طبيعي القيام به . ووزعت قواي بلا شفقة ووجدت انه عندما قاربت التلف لم يكن حولي احد . حتى اذا استعدت شيئا قليلا جدا من قوتي الماضية , وهو القليل الذي اشتغل به الآن , عدت لاسمع تلك النغمة الكريهة : هات .هات " .

يتابع سعاده بالم ظاهر ومعاناة وجدانية حزبية مؤلمة قائلا :" ان اكثر هذا الشباب يجهل كل الجهل ويعمى كل العمى عن حالة الزعيم وعن الضرورات المطلوبة من كل واحد من افراده على نسبة مقدرته وكفاءته واستعداده . هل يخطر في بال احد افراد " الشباب السوري " ان الزعيم يجاهد منذ عقد كامل من السنين جهادا متواصلا مضنيا ابتلى جسمه ليبقى لنا الاشعاع الفكري والشعوري والقيادة الثابتة . او هل يخطر في باله التفكير في لوازم مكتب الزعيم ومقومات العمل الاذاعي وكيفية تجهيز واعداد ما يلزم لذلك ؟. كلا لا شيء من ذلك ولكن يخطر في باله شيء كثير من الافكار الفوضوية كالانتقاد والتعنت والسفسطة ... .

القـــدرة الفــــذة

كانت صحيفة الحزب واحدة بمواجهة عشرات الصحف . ولكنها اكثر تحررا وتصدر بشكل مدهش لا يصدق يشرحه سعاده : " كنت انا كاتب جريدة " الزوبعة " واني انا مديرها , واني ناموس ادارتها فادون اسماء المشتركين واحذف اسماء الذين يرجعون الجريدة . وابحث عن اسماء مشتركين جدد . وانا آخذ المقالات من منزلي الى مركز الجريدة . وانا اصلح المسودات وانا اكتب اسماء المشتركين على الآلة , وانا اضبط حساب الورق واجرة الراصف , وانا آخذ الى البريد الرزم والرسائل الخاصة بالمشتركين . وانا اطلع الصحف الاجنبية والسورية ".

هذا بعض اعماله في الجريدة وقد اختصرت الكثير منها حتى لا يزداد القارئ ذهولا وعجبا من قدرة هذا الرجل على العطاء وعلى التحمل وعلى خيبات الامل في سبيل ان يصل الى نتيجة اعلن انه وصل اليها وحققها . فاذا ما ادركنا وعرفنا حقيقة تلك الظروف والاجواء , ادركنا أي عظيم واي رجل خارق كان ذاك الذي يتولى لوحده كل تلك الالتزامات والواجبات والاعباء والمواجهات الخطيرة والكثيرة واي آلام كان يعانيها .

صدمة السيارة

راينا كيف انه كان يرصف حروف الجريدة بنفسه ويقوم بكل حاجاتها " ويتنقل على قدميه من مكان لآخر ليوفر اموال الحزب " ولهذا السبب " تصدمه سيارة وهو يجتاز الشارع قاصدا دائرة البريد حاملا البريد بنفسه من جريدة " الزوبعة " ومن رسائل حزبية . اذ ان مكتبه – مكتب الزعيم -. اصبح مكونا منه وحده بعدما رجع اسد الاشقر الى الوطن .
وكأن صدمة السيارة لم تكفه حتى فاجأته صدمة اخرى بالسيارة وكانت هذه المرة لابنته البكر صفية , ونجت منها فيما بعد , فكيف نتصور وضع هذا الرجل " الزعيم " السياسي الحزبي لاكبر حزب في الشرق الادنى تحوط به كل هذه الظروف المنهكة , وكلها ظروف ومتاعب نوعية بالنسبة الى رجل بمكانته ومركزه السياسي والفكري والاجتماعي , يضطر لادارة متجره ليؤمن موارد معيشته وللانفاق على الجريدة وعلى العمل الحزبي والقيام بكل اعبائهما .

والاشد قسوة عليه من كل ذلك انه اذ يتزوج ليؤمن استقرارا عائليا يثور عليه بعض اعضاء الحزب ويتململون ويحتجون ." يريدون ان يفرضوا عليه البتولة كأنه كاهن او ناسك او متصوف ". وحان وقت العودة الى الوطن .
العودة للوطن

مصاعب العودة بدأت في المهجر ذاته فلم يكن بامكان السفارة الفرنسية في الارجنتين اعطاء تأشيرة سفر لاي لبناني الا بامر واذن من وزارة الخارجية اللبنانية .

وعودته الى الوطن لم تكن مسالة هينة ولا روتينية . لذلك احاطها بكثير من الاهتمام والادراك للوصول الى خلفيات كل الامور التي تترتب العودة عليها . فكانت شغل رسائله الشاغل بعدما علم ان اسم الحزب اختصر وان العلم تبدل في المركز ببيروت .

لذلك , نراه يؤكد قائلا ان " امر عودتي الى الوطن يتوقف على بحث هذه النقطة مع المجلس الاعلى , وعلى التقارير التي ستردني من المجلس موضحة الحالة الراهنة هناك . وان القراءة المتأنية لاهتمام سعاده ببعض التفاصيل المتعلقة بعودته تظهر ان لديه شكوكا حول موقف بعض قياديي الحزب من عودته ومن التزامهم بعقيدة الحزب ومبادئه .

واخيرا حصل على الفيزا وبدأ مرحلة البحث عن مقعد في طائرة في المطار , وبعد اجراءات وصعوبات وتنقل بين شركات الطيران , يحصل سعاده على مقعد في طائرة " عبر العالم " المتوجه في الساعة الرابعة بعد الظهر الى مدريد , ومن هناك يتابع معها الى الجزائر , ثم الى تونس فطرابلس الغرب واخيرا يصل القاهرة في الساعة الحادية عشرة ليلا ليجد " الامين نعمة تابت والرفيق اسد الاشقر " , في استقباله في فندق " شبرد " متوقعين وصوله الى بيروت صباح السبت في اول من آذار ( مارس ) 1947 , ولكنه لم يصلها الا يوم الاحد في الثاني من آذار .

عن الفترة ما بين وصوله وبين اغتياله بقرار قضائي صوري تم نشر مؤلفات ومقالات ودراسات كثيرة لا تزال متوفرة لذلك سأمر عليها باختصار جدا لان ما قبل عودته وحتى ولادته وتأسيسه الحزب لا يزال مجهولا لمعظم المهتمين بالحزب وتاريخه .

تنظيم الاستقبال

وصل سعاده الى مطار بيروت في يوم دافئ , مشرق مشمس جميل . وعند مفرق كل طريق من الطرق الموصلة الى بيروت من الشمال والجنوب والشرق ومن مفارق الطرق الموصلة من داخل المدينة الى المطار الدولي القديم في منطقة " بئر حسن " , تقف لجنة تنظيمية حزبية تعطي لكل وفد رقمه وتعليمات الاتجاه , وبعدم تجاوز أي وفد آخر مع تحديد مكان وقوف الباصات الناقلة لاعضاء الحزب , ومع كل لجنة تنظيمية سيارة مكشوفة تنتقل من مكان الى أخر .

على مدخل الطائرة شاهدناه يلوح بيده وعرفنا للتو ان الرجل الواقف الى جانبه هو فوزي القاوقجي . وعلى الطائرة نفسها وصل الموسيقار فريد الاطرش . والى طرابلس عاد على الطائرة الطالب في جامعة القاهرة رشيد كرامي . وحتى اليوم , لم يكتب احد ولم يذكر شيئ عن مصادفة القاوقجي مع سعاده في الطائرة , وما اذا جرى حديث متبادل بينهما .

الاستقبال التاريخي

شكل " القوميون حاجزا طويلا يتماسكون بالايدي لكي تبقى الطريق الى المطار حرة في بيروت . والحرس المكلفون بالحماية يطوقون بسياراتهم المكشوفة كل المنافذ " .

تميز استقبال سعاده عن غيره من المهرجانات السابقة بانه كان " الاول في العدد والاعداد " ولم تتم الفرحة ففي الساعة الحادية عشرة ليلا حضر رجال الامن الى حيث يقيم سعاده لالقاء القبض عليه بعد مرور اربع وعشرين ساعة على وصوله الى الوطن , ولكن الاحتياطات المسبقة تحول من دون وصولهم الى مآربهم .
اسباب الاعتقال

سبب الاعتقال , الظاهر , ان سعاده لم يعترف بالكيان اللبناني اثناء خطابه امام المحتشدين لاستقباله. ولكن وبعد سنه وبضعة اشهر انكشفت المؤامرة يوم الاعتداء على الحزب واعتقال جميع اعضائه وملاحقة زعيمه في حادث الجميزة الشهير في 9 حزيران 949 لاغتياله باي شكل كان .

الملاحقــــــة

في المساء نامت بيروت على سيرة سعاده واستقباله وخطابه , اما حكام بيروت فلم يغمض لهم جفن . ذلك كان ليلهم الطويل .

ولعل هذا التنظيم الغريب عن الساحة العربية , ايقظ فيما ايقظ عيون وانتباه المتربصين بالامة , الى وجوب وضع حد لانتشار حزب يعلّم الناس النظام والطاعة , ويحاول اختصار هوة التمدن بيننا وبين الغرب . فكيف اذا كان التنظيم عاملا شاملا فلسطينيين واردنيين وشاميين ولبنانيين بكل ما فيهم من طوائف ومذاهب ؟. لذلك فلا بد من وضع حد لانتشاره واعتقال زعيمه .
وبدأ التنفيذ في الساعة الحادية عشرة ليلا عندما حضر رجال الامن الى حيث يقيم سعاده لالقاء القبض عليه بعد مرور اربع وعشرين ساعة على وصوله الى الوطن , ولكن الاحتياطات المسبقة حالت دون وصولهم الى مآربهم .
ادارة المعركة

وتستمر ملاحقة سعاده لتنفيذ مذكرة الاحضار . وكذلك يستمر هو في الوقت ذاته بتوجيه سياسة الحزب من مقره في الجبال بشكل طبيعي عبر اتصاله المستمر بالادارة المركزية . يطلع من خلالها وبشكل دائم على التطورات السياسية في البلاد . ويتواصل مع الراي العام ويوجه الحزب في " سياسة رشيدة صلبة قوية ".
اما الاسباب الظاهرة لملاحقة الحكومة للزعيم فتعود الى اتهامه بان خطابه تضمن مسا بـ " الكيان اللبناني ".

مذكرة التوقيف الغيت في التاسع من تشرين الثاني 1947 . ومعنى " الغيت " يعني ان الاتهام ذاته قد الغي واسقط . وافتضح الغرض من انه كان مجرد غطاء لابعاد سعاده ولو موقتا عن الساحة السياسية والقومية وعن مباشرة السلطة في الحزب , تمهيدا للقضاء عليه نهائيا تحت أي سبب او مبرر .

نزل سعاده الى قيادة الحزب في بيروت " واعلن النفير العام . وعندها فقط شعر القوميون ان فترة الراحة والتحالف مع السلطة دفنت في بئر الماضي ". وهنا لا بد من الاشارة الى ان فترة ملاحقة سعادة تميزت بمعالم مهمة اعطت مغزى كبيرا بالنسبة الى الظروف التي نشأت فيها , ونشرت ظلالها على الحياة السياسية والاعلامية اللبنانية , احتل الحزب خلالها عناوين الصحف مرة ثانية , كما حدث عند اكتشافه عام 1935 .

طرد تابت واياس

في 13/8/1947 اصدر سعاده قرارا حزبيا خطيرا بتجريد نعمة تابت ومأمون اياس من " رتبة الامانة " وطردهما من الحزب . ويومها لم يلتحق بهما من اعضاء الحزب سوى اثنين فقط . وقد اعتبر البعض ان ما حصل مغامرة وقفزة في الهواء ان يطرد سعاده من كان رئيسا للحزب في غيابه طوال عشر سنوات, وانتمى اكثر من نصف اعضاء الحزب في الكيانات السورية الى الحزب خلالها. ولكن سعاده كان واثقا انه على حق .

بدأ سعاده نشاطا حزبيا اداريا ثقافيا سياسيا مميزا فاعاد ترميم الاجهزة الادارية بما يتناسب مع الامكانات المتوفرة . واحيى الندوة الثقافية سياسيا بالمحاضرات الشهيرة باسم " المحاضرات العشر " وفيها شرح عقيدة ومبادئ الحزب , وصار الاقبال على الانتماء واسعا بحيث لفت الانظار وخاصة في منطقة بيروت وعائلاتها السنية . مما دفع بسعاده لزيارة المناطق فزار البقاع وعين زحلتا والكورة .

ركز سعاده هدفه الاولي والمهم على ايجاد " مركز نفوذ " للحزب في لبنان يكون منطلقا الى الكيانات الاخرى تبشيرا وتوسعا. في " الاعداد السلمي لاستلام الحكم , او الاشتراك فيه " فيكمل ما بدأه في الثلاثينات من تدريب وتحضير ".

من المهم ان يعرف القراء واعضاء الحزب ان النشاط الهائل والضخم لعجلة الحزب الدائرة بقوة عنيفة من دون توقف ما كانت تعتمد على غير موارد الحزب الذاتية من اشتراكات . وهبات يبعث بها رفقاؤنا في المهجر . فاذا عرفنا كيف كانت احوال اعضاء الحزب المالية والمادية بشكل عام تأكد لنا ان ما قام به الحزب في تلك الفترة , بل طوال وجوده , قياسا على وضعه المالي يدخل في باب المعجزات , لذلك فان الفرق بين ضخامة الانتاج والعمل وبين قلة الموارد كانت تغطيه التضحيات النادرة من جبابرة النهضة وجنودها المجهولين , في اعطائهم الحزب كل دقيقة من حياتهم , فليس مبالغة اطلاقا تشبيه وضع الحزب واعضائه بخلية النحل " لا مكان فيها للكسول ". وحتى بيت الزعيم ذاته " اقتصر دخله على ما كانت تستلمه زوجته من اهلها في الارجنتين ". ولم يكن ذلك كافيا لسد حاجات العائلة والضيافة .
الجولات الحزبية

في 12/3/948 وعند مفرق شارع بيروت , كنت مع حسن جمال باكرا منتظرا قدوم الزعيم في زيارة خاطفة لدمشق ادقق بسيارة لبنانية زرقاء . وفجأة تقف السيارة وفيها سعاده ونحن بانتظاره . وجلست على يساره حتى مكتب الحزب في شارع كرجية حداد – 29 ايار – حيث لعب كرة الطاولة مع جميع الموجودين لبضعة دقائق قبل انصرافه الى مواعيده . وبقي في دمشق حتى المساء . واثناء النهار تناول الغداء في دار الوجيه نسيب سكر والد الرفيق رياض , بحضور وزير الدفاع احمد الشرباتي , بناء على موعد مسبق .

اهم جولات سعاده الحزبية عام 1948 بدأها في الصيف من دمشق وجرى له استقبال حافل وضخم في ناحية دمر على الطريق العام . وبعدما استراح في مكتب الحزب ينتقل الى منزل عصام المحايري المنفذ العام ليطلع على برنامج الزيارة ويعطي توجيهاته بحضور معروف صعب وسامي الخوري وبشير موصلي وبقية الوفد المرافق له ....حول ترتيب الزيارات واللقاءات السياسية وفي المساء حلّ ضيفا في منزلنا بحي المهاجرين – ناظم باشا . في الثالث من تشرين ثاني 1948 , طوال فترة زيارته .

الوضع في الحي وحول البناية مريح ومؤمن . وقد مكث عندنا اثني عشر يوما حتى الثاني عشر من تشرين الثاني حافلة باللقاءات والمقابلات مع شخصيات علمية وادبية وسياسية وحزبية . تخللتها دعوات لسعادة , منها دعوة عفيف " بك" بيهم وحضرها نبيه "بك " العظمة " رئيس " الحزب الوطني " , وصبري العسلي ( وزير الداخلية يومها ) والنائب السابق ابو الهدى الحسيبي . وفي مرات اخرى اقيمت دعوات وسهرات عدة عند معروف صعب عصام المحايري وبشير موصلي ومظهر شوقي وصبحي فرحات وجورج غناجة .

اللقاء مع حسني الزعيم

اول لقاء له مع حسني الزعيم تم بحضور اديب قدورة ركز فيه حسني الزعيم على بشارة الخوري ورياض الصلح واهل الحكم في لبنان متجاهلا كارثة فلسطين والنكبة , التي لم يأت على ذكرها خلال تدفقه بالحديث عن انقلابه , وعن موقف حكومة لبنان السلبي منه . وينتهي ليأخذ سعاده منه دفة الحديث منطلقا من اصل العلّة , متعرضا الى السبب الاساس فـــي كل مـــا وصلنا اليه وما نحـــن فيه :" معاهدة سايكس - بيكو معتبرا اياها السبب الاصلي , الذي بسببه قامت الصهيونية وتقسمت الامة السورية الواحدة الى دول كالعراق والشام والاردن وفلسطين ولبنان والكويت .... وبسببه ايضا سلخ لواء اسكندرون ولم نعرف كيف نطالب ونثبت حقنا بقبرص والاهواز " .

انه رجل المبادئ والعقيدة , واول من نادى بتوظيف " السياسة في خدمة المصالح القوية العليا للامة ". فيعلن لحسني الزعيم " بان مبادئ الحزب الاساسية منها والاصلاحية , كفيلة بان تنهض بالشعب ليعرف نفسه ومصالحه ويكوّن ارادته بعد درسها واقتناعه بها .


رحلة الـــوداع

" رحلة الوداع الاخير " لم تقتصر على دمشق بل انها واحدة من " المحرضات " الظاهرة في التأثير على السلطة اللبنانية لتضع حدا لهذا العملاق المتعاظم خطره يوما بعد يوم على الشام كما على لبنان . فتابع الرحلة الى حمص بعد دمشق ووصلها في اجواء حزبية وشعبية حارة .

وفي ذلك الجو الحماسي الرائع ما كان للمناسبة ان تمر من دون اجتماع حاشد القى فيه سعاده كلمة قال فيها :" انتم هذه الفئة القليلة في مدينة حمص , انتم جزء من نهضة هي اروع نهضة يراها القرن العشرون , ليس فقط في بلادنا بل في العالم اجمع . لم يقم حزب في العالم كله في هذا الزمن واجه من الصعاب ما واجهه الحزب السوري القومي الاجتماعي وقدر ان يثبت ويتغلب عليها ".

في حماه وحلب

وغادر الزعيم حمص في السابع عشر من تشرين الثاني الى حماه . وفي حماه وضع خاص . حيث يواجه الفرع الحزبي اوضاعا داخلية معقدة بعد طرد اكرم الحوراني وتأسيسه " حزب الشباب " من بعض اعضاء الحزب القومي , مثال خليل كلاس وغيره ... عدا عن الجو الديني والاقطاعي المسيطر , والتكتل السياسي الرجعي . فلم يستكمل التنظيم مداه الحقيقي بعد .
بدأ الاستقبال عند ناحية الرستن على بعد حوالي خمسة وعشرين كيلو مترا من حماه , ليصل الزعيم الى مقر اقامته . ومن ثم الى لقاء حشد من الطلاب جاؤوا خصيصا للتعرف على الحزب .

يبقى سعاده في حماه يومي 17 و 18 ويغادرها في التاسع عشر الى حلب ليجد في استقباله موكبا للسيارات بقضاء معرة النعمان , على بعد حوالي ثمانين كيلو مترا من حلب . فتوقف للاستراحة ولقاء الدكتور راتب حراكي , وبعض المسؤولين , متابعا طريقه مع سياراتهم الى حلب . وفي حلب يختلف الامر عن حماه , فالحزب هناك راسخ القواعد ولم يمر بازمة داخلية كما في حماه , وانتشاره واسع في مختلف الاوساط .

بعدما يستعرض سعاده صفوف القوميين محييا عند مدخل حلب , يتابع سيره بالموكب الضخم الى قلب المدينة فقلعة حلب المشهورة , ويطوف حولها حسب البرنامج وسط ذهول المتفرجين من هذا الموكب الكبير المنظم واعلام الزوبعة الحمراء , فيما لم تشهده حلب من قبل بهذه الكثافة للحزب.

في اليوم السابع من زيارته لحلب يرجع الى حماه تلبية لدعوات ملحة , ويلقي فيها محاضرة شاملة عن " القضية العربية " وعن " القومية السورية " قبل ان يرجع .

ثم يعود الى حلب ليجد بانتظاره وفودا كبيرة من محافظتي دير الزور والجزيرة في استقباله بعد الاعلان عن عدم تمكن الزعيم من زيارة المحافظتين . بسبب ضغط الوقت وبرنامج زيارة اللاذقية الحافل الحاشد بالسيارات والدارجات النارية .




النشاط باللاذقية

دخل سعادة اللاذقية مارا بشوارعها حتى مقر اقامته في دار عبد الغني اسرب وهو من وجهاء اللاذقية الكبار ووالد الرفيق عبد القادر اسرب .

بدات الاستقبالات عشية ذلك اليوم من خلال مأدبة عامرة ضخمة في المنزل حضرها شخصيات سياسية وحزبية واصحاب الصحف ومراسلوها , ونشرت جريدة " الارشاد " تفاصيل المأدبة والشخصيات التي حضرتها وادّب كثير من الرفقاء للزعيم وفي مقدمهم فؤاد الشواف وجميل مخلوف في " بستان الباشا " – ( بستان سعادة ) القريبة من اللاذقية حيث القى كلمة نشرت مع بقية خطب سعادة فيما بعد .

اثمرت زيارة سعادة للمنطقة المتأثرة بالمفاجآت العشائرية تحرر الكثير من الشبان والشابات وتضاعف عدد اعضاء الحزب عشرات المرات بعد الزيارة وغرست فيها بذورا لا تزال تتفتح حتى اليوم .
الى بانياس وطرطوس وصافيتا

في طريق عودته الى لبنان سيقوم سعادة بزيارة كل من بانياس وطرطوس وصافيتا . وكما في كل مكان كانت الدراجات والسيارات تستقبله على مداخل ومخارج البلدات .

غادر سعاده طرطوس في موكب كبير من السيارات باتجاه صافيتا البعيدة مدة نصف ساعة . وفي رأس " الخشوفة " تلاقت سيارات طرطوس المودعة مع سيارات صافيتا المستقبلة . لم يترك سعاده المناسبة تمر من دون ان يزور قرية بعمرة المجاورة وفيها الرفيق المناضل المرحوم الشيخ ابراهيم عبد الرحيم , مؤسس العائلة القومية الاجتماعية المعروفة في بعمرة .

الطريق للمؤامرة

يواظب سعاده على مكتب الجريدة في الجميزة , بعد عودته من الجولات ليكتب مقاله الرئيسي ويسير العمل طبيعيا في الجريدة .

" ولم يمض اكثر من نصف ساعة على وصول سعاده الى مكتبه بالجريدة صباح التاسع من حزيران حتى سمعنا اصواتا صاخبة مرتفعة آتية من المقهى الواقع في الزاوية المقابلة لمبنى الجريدة. ويخص احد اعضاء حزب " الكتائب اللبنانية ". وتسارعت الاحداث بعد وصول سعاده الى بيته واخذت الاخبار ترد تباعا : اعداد من حزب "الكتائب " تهاجم مكاتب الجريدة " الجيل الجديد " وتضرم النار فيها ووقوع جرحى ومعتقلين .

عاد جبران جريج من مهمته وادلى الى سعاده بما لديه , عن خطورة الوضع فعدل عن زيارة الجرحى في المستشفى . وفي عجلة فائقة , افرغ ادارج المكتب وتمنطق بمسدسه وغادر مع ادمون طوبيا بسيارة يوسف سلامة . وبدأت الاعتقالات قبل منتصف الليل بتطويق المنطقة , من قوى
الجيش والدرك والشرطة والمصفحات والسيارات .....فاضطر سعادة الى مغادرة لبنان في غياب امكانية لجوئه الى معاقل محصنة يحرسه اعضاء الحزب ويحمونه كما في تشرين 947 . بسبب اختلاف الظروف .

بقي سعاده في بيروت اربعة ايام وصباح الثلاثاء في الرابع عشر من حزيران 1949 وصل الى دمشق خفية . واقام في منزل نجيب شويري فـــي " بناء كسم وقباني " الكائن اليوم على امتــــداد " مجلس الشعب " , وبعد حديقة المجلس ,ويفصلها عنه الطريق العام الممتد مـــــن رأس شارع الحمرا ( جنوبا ) حتى " نزلة التجهيز " باتجاه طريق بيروت عند فندق " الفور سيزن " اليوم .

في دمشق اجتمع سعاده بحسني الزعيم حوالي الساعة وحينما خرج من الاجتماع كان باسما هادئا .
كما يروي الدكتور صبري القباني الشاهد العيان معلنا ان تفاصيل اجتماع سعاده مع حسني الزعيم رواها سعاده له بنفسه وليس ذلك غريبا بعدما تبين لسعاده انه " من الكفر ان يبقى الدكتور قباني بعيدا عن معرفة ما دار من بحث مع حسني الزعيم ". وهو الذي كان صلة الوصل والصادق المخلص بتعامله مع الحزب وزعيمه .

وخلاصة ان سعاده طلب من حسني الزعيم التعاون المشترك فوعده حسني الزعيم انه سيوعز الى الحدود لتقديم المساعدات الممكنة الى رجال الحزب في غدوهم ورواحهم .

الهدف رفع الضغط


لا يدرك موقف سعاده ولا يدرك ابعاد محاولة الاستعانة بحسني الزعيم من لم يتوفر له الافق العسكري والسياسي والاستراتيجي الكافي , ليقرا التاريخ بمعانيه وقواعده معطياته وحوافيه وبطونه, لا بسطحيته وظواهر بعض الاعمال . لان كل ما قام به سعاده في ذلك الوقت ينصب في خانة رفع الضغط عن القوميين ولو كلفه ذلك حياته لينجو الحزب . وقد تمكن سعاده فعلا من تخفيف الضغط ووقف التعذيب عن القوميين بلبنان بعدما قدّم دمــه .

بعد ايام طرأ عامل جديد زاد في ظروف الحزب السيئة سوءا , باستقالة الوزارة في الشام , وهو ما يسميه الدكتور قباني " توالت الحوادث سراعا " فرجع محسن البرازي من مصر ليحل الازمة اللبنانية السورية. وبدأ المقدم الحسيني ينكمش عن زيارة سعادة في مقره يوميا خلافا لعادته.

الثــــــــورة

كانت شمس الاثنين الرابع من تموز 1949 تشرق والزعيم يرتجل خطابه في ذلك الركن المنعزل القريب من دير العشائر في اول نقطة التقاء عند " الحدود " بين الشام ولبنان . مخاطبا الرفقاء المتطوعين لتنفيذ اعلان القورة القومية الاجتماعية الاولى لتحرير رفقائهم وانقاذ عائلاتهم. ولم تكن ثورة للاستيلاء على السلطة كما تأكد ذلك في بيانات سعاده الى الشعب .

كنا قد اصبحنا على بعد يومين او ثلاثة من الموعد المحدد لبدء العمليات العسكرية الهادفة الى ارغام رياض الصلح على تبديل مخططاته تجاه الحزب ولذلك سبق اعلان الثورة صدور بيان في 16 حزيران 1949 حمل عنوان " الى القوميين الاجتماعيين والامة السورية " وجرى توزيعه في لبنان على نطاق واسع .

في السادس من تموز 1949 وبعد فشل ثورة الحزب السوري القومي في لبنان , طلب المقدم ابراهيم الحسيني من انطون سعاده مرافقته لمقابلة حسني الزعيم . وقبل المصنع كان الامير فريد شهاب ,مدير الامن العام اللبناني , بانتظار سعاده حيث استلمه من المقدم الحسيني واقتاده الى لبنان , ليحاكم ويحكم عليه وينفذ الحكم فيه خلال ثلاثة وثلاثين ساعة من لحظة اعتقاله في القصر الجمهوري بدمشق حتى تنفيذ الاعدام - الاغتيال - .

فجر اليوم الثامن من تموز 1949 نُفذ حكم الاعدام في لبنان بالزعيم انطون سعاده , بعد محاكمة صورية اقيمت على عجل واستمرت ساعات قليلة , لتبدأ مأساة الحزب السوري القومي التي دبرها الامريكان واسهم في تنفيذها حكومات لبنان والشام والسعودية ومصر وبعض الادوات الاخرى وهو ما سنزود القراء بتفاصيله في الثامن من تموز القادم في الذكرى الستين لاغتياله .


معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://m3rouf.mountada.net

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى