m3rouf alkhoder
أهلاً بكم في المنتدى الخاص بمعروف الخضر يمكنكم تصفح الموقع ولوضع المشاركات يرجى التسجيل
m3rouf alkhoder

منتدى شعري ثقافي

designer : yaser marouf email:y.a.s.e.r.94@hotmail.com

أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

السومريون ابتكروا الرمزية الجنسية قبل فرويد ................حسين سرمك حسن .

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

Admin


Admin
حسين سرمك حسن : يحيى السماوي وفن البساطة المُربكة (السومريون ابتكروا الرمزية الجنسية قبل فرويد) (الحلقة الأخيرة)

Posted: 02 May 2013 09:51 AM PDT

# توظيف الرمزية الجنسية :
—————————-
إن من الإنجازات الكبرى لثورة التحليل النفسي ، هي أطروحة معلم فيينا الفذّة حول انسراب المكبوت من خلال “الرموز الجنسية” التي هي أشياء عادية ومألوفة في حياتنا اليومية ولا تثير أي حساسية في استخدامها التداولي حينما يكون في إطار خصائصها العملية . لكنها تتحوّل إلى “رموز” ذات شحنة حسّية وانفعالية تحيل إلى ما هو جنسي في الحساسية النفسية أو الوظيفة . كان المجال الأساس الذي أتاح اكتشاف مثل هذا المعنى الكامن هو تفسير الأحلام رغم توفر الأنشطة الإنسانية الأخرى التي تحفل عادة بمثل هذه الرموز مثل الأساطير والديانات والشعر والفولكلور واللغة والأفعال المحبطة وغيرها .
ونصّ الشاعر هو حلمه فهو القادر وبكفاءة على أن يحلم يقظاً من ناحية ، وأن يكشف أسرار أحلامه وبالتالي أحلامنا بجسارة من ناحية أخرى مكملة . فأدوات وأشياء ومفاهيم مثل الحفرة والمنضدة والشجرة والأرض والبرتقالة والجنينة والقبّعة والشرشف والكلمة والورقة والقبّة والباب والشمس والقارورة والخلف والقلب والفتح وغيرها لا تثير فينا مشاعر جنسيّة أنثوية عادة . لكنها في الأحلام وفي الإستخدام الفنّي ضمن سياقات محددة قد تكتسب تلك الدلالات المشحونة في كثير من الأحوال .
وعلى المستوى نفسه ، فإن أدوات وأشياء ومفاهيم مثل القلم والسيف والصولجان والأفعى والقمر والحصان ورابطة العنق والماء والمطر والثقب والشق والركوب ، لا تولّد لدى المستقبل إثارات جنسية ذكورية الطابع في التعامل الشعوري ، ولكنها يمكن أن تخلق إيحاءات حسّية وانفعالية شديدة حتى في أحلام اليقظة (والقصيدة حلم يقظة الشاعر) .
ناهيك عن مفاهيم وعمليات ذات معاني مزدوجة أو مركبة مثل الرياضيات والحراثة والخياطة والكتابة وغيرها مما قد يحمل معاني استمنائية أو مواقعة فعلية . والشرط الأساس في ذلك هو تسيّد العمليات اللاشعورية الأولّية على العمليات الفكرية الثانوية أو انسرابها في نسيج الثانية او ضعف رقابة الأخيرة أو تعطّلها .
وفي قاموس يحيى اللغوي الشعري الحسّي تتكرر مفردات لغوية ؛ أسماء وأفعال وصفات ، يأتي بها ضمن “سياقات” معينة وفي “إطار” علاقات محددة ، تُفهم منها الدلالات الجنسية المثيرة ، على الرغم من أنها قد تكون مصوغة في هيئة تعابير وصور حبّية “بريئة” . مثل هذه المفردات هي : الوردة ، الحديقة ، التفاحة ، الصحراء ، الساقية ، النهر ، الثوب ، السرير ، السفينة والمرفأ ، المرود والمكحلة ، الحلوى ، الوادي والسيول ، النزول والصعود ، الدخول والخروج ، القفل والمفتاح ، الصولجان ، التقشير ، الرعي والحراثة ، النار والتنور ، الفأس والغابة ، النسج والبردة … وغيرها الكثير ، مما يبدو بريئا أو تعبيرا عاطفيا في أقصى الحالات ، إلا أن النظر العميق في معانيها السياقية ، وعلاقاتها يوحي بما هو أشد غورا ونفاذا والتهابا .
ومن الضروري التذكير بأن الرمز يختلف عن التشخيص الذي يكثر أيضا لدى الشاعر ؛ ففي الأخير نمضي من المجرّد إلى الحسّي ، ومن الصورة إلى الصورة ، أما في الأول فنمضي من المحسوس إلى المحسوس ومن الصورة إلى الصورة . كما أن نسبة المشار إليه إلى الإشارة نسبة فردية جدا في التشخيص على حين أنها في الترميز ثابتة من شخص لآخر . ويكفي هذان الفرقان لكي تقوم هوّة بين التشخيص والترميز . إن آلية تكوين الرموز أقرب إلى الإنتقال منها إلى التشخيص ، بل لعله يمكن القول إنها انتقال جمعي (راجع كتاب طريقة التحليل النفسي والعقيدة الفرويدية بترجمة حافظ الجمالي) .
أمثلة :
——–
1- من المقطع الثاني :
( صحرائي الشاسعة تستنجد بنهرك ِ
فالسواقي الصغيرة لا قدرة لها
على
نسج ثوب العشب
لجسدي الممتدّ من خدرك ِ
حتى سريري )
2- من المقطع الساس :
( إفتحي مكحلة ثغرك ِ
لمرود لساني
لأكحّل بنداك ِ
شفتي اليابستين )
3- من المقطع الرابع عشر :
( لا مفتاح لقفل فمي
كشفتيك ِ
الكلمات طوّبتني قسّيساً
في
محراب الورقة
وثغرك توّجني قيصراً
في
مملكة القبلات
فلتذهب الريح بالورقة
مادام فمي ممسكاً بصولجان
شفتيك ِ )
4- من المقطع الثالث والعشرون :
( بذوري
إذا لم تنفلقْ في حقلك ِ
كيف ستستيقظ بيادري ؟
وسيولي
إن لم تتلاشَ في واديك ِ
كيف لصحاراي
أن ترتدي فستان الخضرة ؟ )
5- المقطع الواحد والثلاثون :
( منذ عصور النار الأولى وأنا :
فمي يدّخر القبلات ..
موقدي يدّخر الدفء ..
سريري يدّخر الأنين ..
أبجديتي تدّخرُ الشعر َ ..
وغيومي تخزن المطر ..

إذا لم نسجرْ تنّورنا
فكيف سينضجُ رغيف اللذة
ويغدو رمادنا كحلاً
للعاشقين ؟ )
6- المقطع الخامس والأربعون :
( وجهي ليس سحابة
وصدري
ليس غيمة
وساعداي
ليسا ينبوعين
إذن :
كيف تساقط مني كل هذا المطر
مبللا جسدك ِ
وأنا أحرث واديك ِ بأضلاعي
محترقاً بمائك ِ
في
وجاق السرير )
# وقفة ضرورية جدا :
———————–
ومن حقّك سيّدي القارىء أن تبدي اعتراضا مشروعا حول ما طرحناه لأن أغلب “الرموز” التي تناولناها هي أشياء “بريئة” في الظاهر . وما يؤكّد ذلك هو “استعمالها” التداولي المعروف منذ آلاف السنين . فلو كانت هذه الاشياء مشحونة بالمعاني الجنسية كما تقول لخلقت لدينا استجابات جنسية كلّما تحدّثنا بها في حياتنا اليومية .
وللإجابة على هذا الإعتراض الجوهري ، وكلّما راجعتُ مخزوني من أدبيات التحليل النفسي لا أجدُ أفضل من المداخلة الخطيرة جدا بمعانيها وموضوعيتها واكتشافاتها التي طرحها (فلورنوا الإبن) :
(أريد أن أستشهـد هنا بـنص طويـل لـ (فلورنـوا الأبن) ويـزيد هــذا النـص عما تعارف النـاس عليه في الإستشهـاد ولكـنه بدا لي أنّ من المستحيـل قـطعـه وفيـه مــن أسـلـوب التـفكير وطريقة العمل ما يستحق معهما أن يُعرف :
كان (فلورنوا) يدرس في مقال عنوانه: (سيفا آندروجين- Civa-Androgyne) صوراً مختـلفة تمثل ألوهـية هـندية والأشيـاء المستخدمة لعبادتهـا وقـد أول ذلك كلـــه تأويلاً جنسياً0 وعندما أنهى دراسته شعـر بالحاجة إلى تسويغ تعليله فسوغه بالكلمات التاليـة: (ما هـي الفائـدة فـي العثـور على دلالة جنسيـة مفـردة أو مضاعفـة لمختـلف أوصـاف(سيفا) ورموزها ؟ ولمَ – إذا كنا باتجاه صورة متخيله – كصورة نهر يتفجر من الشعر – لم لا نكتـفي باعتبارها مجـرد ابتـكار خيالي ولا نبحث عن أكثـر من ذلك ؟ وهـل هنالك معنى ما في أقامـة علائق غيـر متوقعـه تجـرح شعـور النـاس بـالجــانب الفيزيولوجي الفـج فيهـا ؟00 وعدا ذلك فإذا نحن وصلنا إلى نتـائج من هـذا الموضـوع أَفليس تحليلنا نـفسه هـو الذي يشوّه الموضوع المحلـّل بدلاً مـن أن يجعـله أقـرب إلـى الفهم ؟ .
ونحن نقبل ولاشـك – أن الخيال وحـده يمكـن أن يخـلق كـل شيء حتى الأساطير والأعمال الفنية واللوحات العجيبـة جداً 0 ولكن ملكة التخيل هذه ، مع ذلك ، جزء لا يتجزأ من الإنسان ، بمعنـى أن علـى العنـاصـر التـي تعمـل فيهـا أن تـكون بشـكـل أو بـأخـر مستعـارة من مجـال التجربـة الأنسـانيـة 0 ويحـاول جهـدنـا التحليـلـي أن يكتشـف هـذه العناصر الأساسيـة ، علـى أن تكـون أبسـط العناصر الممكـنة على الرغم من التغيرات العديدة التي أضافها الخيال الجمعي والفـردي 0 وليسمح لي حباً بالوضوح في أن أقــدم أيضاً بعض الأمثـلة المشخصـة البسيطـة جـداً ، إنها قد تجـرح – ولاريب – بفجاجتهــا ولكنها تجعلنا أقدر على فهم ما نريد (….) فالنهر الذي يسقي الهنـد ويخصبهـا يخرج من شعـر (سيفا) 0 إنّ هذه فكرة خرافيــة واضحـة – ولنـقـل أسطورة – ومـن جهـة أخرى فأنـه توجـد في (بروكسل) عيـن مـاء معروفة جداً باسم (مانكن- بيس) يجري ماؤها من الطرق الطبيعية لغلام يبدو عليه أنه يتبول 0 إنّ هاتين الحالتين تشتملان عـلـى فكـرة أساسيــة مشتـركـة منهـا استوحـى رجل الفن عملـه : أي إخـراج السائل مـن الجسم الأنساني 0 ولكن أيّ هاتين الحالتيــن تعبر عن الفكـرة بأقـل تـشويـه ممكـن ؟ فمتى رأى الرسـام أو الشاعـر الهندي أن الماء يتـدفـق من شـعر امـرأة ؟ إنهـمـا لـم يريـا ذلـك أبـداً ، فيمـا أظـن – وأقـرب ملاحظة إلى أسطورتهما استطاعا القيام بها -، شعورياً أ و لاشعورياً – ثم حرّفـا فيهـا كمـا شاء لهما الهوى ، عندمـا أنشئـا عملهمـا الفني – لا يسعهـا أن تختلـف اختلافـاً كبيـراً عن ملاحظـة مهندس عين ماء (بروكسل) . وإذا نظرنـا إلى (سيفا) من حيث أنـه إله الطاقـات الخلّاقـة والمنعـم الكبير بالحياة والمعبود على صورة الـ (لينغا) ومطلق مياه الغانج المخصبة من ضفيرة شعرها ، فأننا نستطيع أن نتساءل عما إذا كان الخيال المبدع – عندما أخرج السيل المقدس من شعـر (سيفا) – لم يموّه بكل بساطة فكرة ما وراء ذلـك هي أوضـح وأقرب إلـى الفهم 0 وفي أحدى متاحف الآثار يوجد قطعة موزاييك فاجرة تمثل رجلاً يقذف بذاراً غزيراً – (تذكر أسطورة الإله (أنكي) وهـو يقـذف منـيّه في نهـر الفـــرات ، الناقد) . ولقد عبّر النحّات هـنــا بشكل فج ومن دون أي لف أو دوران عــن فـكـرة القــوة الخلاقـة ، لكن الأسطورة الهنديـة ــ على العكس ــ تـفجّـر الميـاه مـن شعــر الإلــه (سيفا)0 فأي هـذيـن التعبيريـن ينبغي اعتبـاره الأكثـر بدائيـة والأعـرق أصلاً ؟000 وأيهمـا تـلقـى التمويـه والتحريف ؟ أهــو ذاك الذي يثير التـقـزز إلى الـدرجة التي تغرينـا بمدافعتــه وكبته أم هـو الآخر ؟0
ولنضرب مثلاً أخيراً : إننـا نلاحظ في أحد وجـوه (سيفا) أن الخيـال الأسطـوري يخـرج مخلوقـاً صغيـراً مـن رأس الإلـه الخنثى 0 ولقد رأينـا فـي ذلـك واحدة من هـذه الولادات (اللاتناسلية) على مثال تلك التي تعزى لحواء لدى خروجها من أحد ضلـوع آدم 0 فهل نرتكب خطأ إذا نحن اعتقدنا أنّ وراء هذه الأساطير عنصراً أجنبياً مكبوتاً ؟ وهـل أتاحت التجربة الإنسانية يوماً مـا بأن يخرج إنسان جديـد من جمجمة أو ضلع ؟ . ولئـن وصـل الخيال إلى تصورات خرافيـة إلى هذا الحـد ، أفـليس الأصح أن نرى فيها غاية الطريق ــ أي إنضاجاً ثانوياً ــ بدلا من أن تـكون بدايته ؟ ( …. )
إنّ هـذه الأمثـلة القليلـة تكـفي لجعلنا نفهـم لماذا يبدو لنـا أنّ من المشروع ــ فـي دائرة العلـم الموثوق ــ ردّ التعابير الرمزية إلى دلالتهـا الأبسط والأقرب إلى الطبيعـة والبحث عن نقطة البداية فيها ــ مهما تكن مُبتـذلة ــ حتى لـو جـرحت أحاسيسنــا ؟ إنّ هذا المبدأ يبقى هو هـو سواء أطبـق علـى الفـن أو على الخـرافـات أو علـى أي أنتـاج خيالي مرضـي أو عبقـري إذا نحن حاولنا النفاذ إلى سره واكتشاف ما وراء تعقيده0
وقد لا يكون ضرورياً أن نقول أن بحثاً من هذا النوع لا ينطوي على أية فائدة ولا على أيّ خطر يختلفان عما ينطوي عليهما أيّ بحث علمي أخر . والحق أني لم أعثر في أيّ مكان على نصّ يوضح لنـا بصورة أفضـل روح التحليل النفـسي الفرويدي00 ولا يزيد (فلورنوا) على أن يعود من جديد إلى موضوعة التجريبيين الأولى : لاشيء في العقـل لـم يوجد قبل ذلـك في الحواس 0 وقـد كـانت أمثـلتـه واضحـة جداً ، وسـواء كانت الصـورة تمثـل رأس امرأة يخرج مـن جمجمة (سيفا) أو كانت – إذا شئنا – (مينرفـا) التي تولــد من رأس (جوبيتر)00 فأي معنى لهـذه الأسطورة ؟0إن كلمة (المعنى) هـنا يمكن إن تـفهم بصورتين : فقــد تعني الصورة : إمــا هـــذا الشيء الذي تتجـه إليه ، أي (الأثر) بالمعنى الواسع ، أو المفهوم المقبل الذي سيصدر عنها ، وأما بالعكس هـذا الشيء الذي تـُشتق هي منه ، أي سببها ، أو الإحسـاس الذي تصدر عنه 0 أمّا مــن وجهة النظـر التركيبيـــة أو الغائيـة فأن ولادة (مينرفا) تعني أو تـدل علـى ألأصـل الإلهي للحكمـة 0 وأمّا مـن وجهـة النظر التحليليـة أو السببيّــــة أو الإرجاعية فأنها انتـقـال للولادة مــن الأدنى إلى الأعلى أي من الفرج إلــى الـــرأس 0 ويصـرّ التحليــل النـفســي إصراراً كبيـراً على أن المشــــروط هــو إشــارة لـلشــرط ويطلب إلى المعترضيـن عليـه مـا إذا كان في وسعهـم أن يتخيـلـوا لحظـــة واحـدة أنّ فكـرة الولادة (اللاتـناسلية) يمكن أن تـكون هي البدائية أو ألاّ تـكون مشـروطـة بفكـرة الولادة التـناسلية 0 ونحن ندرك وفــق قـواعـد التحليـل النـفسـي أن الحلـم في مـا يرى (فرويد) ليـس بإشـارة إلى موضوعه المزعوم بل هـو إشـارة إلى أسبابـه 0 وهـذا هـو المبدأ الذي يطبقه الدكتور (فـلورنوا) علـى تأويل الأسطورة )0(راجع كتاب التحليل النفسي والعقيدة الفرويدية)
# عودة إلى رمزيّة يحيى : موضوعة “الإنضاج الثانوي ” :
———————————————————–
في بعض هذه النصوص القصيرة ، قد يندهش القارىء ، حين يجد يحيى ينتقل سريعا وأحيانا بصورة مفاجئة من مسار يتعامل فيه مع جسد الحبيبة ولمسات عقل أنامله العمياء الجنونية التي تُزهر في حقوله الملتهبة ، ورودا وغابات وقبلات وشهيق لذة ، إلى مسار “جاد” وحاد يتحدث فيه عن الوطن والغربة ومعضلات الوجود التي تقف على النقيض من الإنهمام الخدِر السابق يالجسد الأنثوي ، أو أنها تتطلب صحوة “شعورية” ينهض فيها وعي الشاعر من ضباب حفزات اللاشعور الذي أرخى نظرات الوعي الراصدة المراقبة لصالح انبثاق الصور الشعرية . يقول يحيى في المقطع التاسع والسبعين :
( النهر الجالس بين يديّ
يُبطل تيمّمي
حتى لو كان
صعيداً طيّباً
لذا ..
أتيمّم زفيراً طيّباً منك ِ
حين أصلّي
على طرف عباءتك ِ
مُوجّها قلبي نحو الله
وعيني
على العراق .. )
أو في المقطع الخامس عشر :
( أنت ِ سرّي المفضوح
فعلام َ احترازك ِ
من جهري ؟
يوم سقطتْ أزرار قميصك ِ مغشيا عليها
من هول شبقي :
أصابعي غدتْ فراشاتٍ
وفمي صقراً ينهشُ باللثم ِ
حمامتَي صدرك ِ
أليسَ معجزةً جلوس الجمر والماء
في كأس واحدة ؟
أنا وطن الحزن ِ
وأنت ِ عاصمة الفرح )
وفي هذه النقلات السريعة أو المفاجئة تشتغل آلية من آليّات الحلم نسمّيها “الإنضاج الثانوي” . ويطلق معلم فيينا اسم “الإنضاج الثانوي” على الأمثولة التي يدخل بها عقل الحالم ، بمقدار ما يقترب من الفكر اليقظ ، شيئا من النظام ، المُصطنع بدرجة أو أخرى ، على منتجاته الحلمية . ويذكر ، إيضاحا للطبيعة الدقيقة لهذا الإنضاج الثانوي ، المقطع التالي من كلام “هافلوك أليس” :
(إننا نستطيع أن نتصوّر الأشياء بالطريقة التالية : يقول الشعور النائم : ها قد جاء سيّدنا ، الشعور اليقظ ، الذي يعلّق أهمية كبرى على العقل والمنطق ، إلخ . هيّا ، لنأخذ الأشياء ، ولنرتّبها – فأي ترتيب كان ، سيكون مناسبا – قبل أن يدخل فيحتل المكان . ويعتبر فرويد أن الأحلام التي تبدو لأول وهلة ، منطقية جدا ، هي الأحلام الخادعة ، كل الخداع ، في أغلب الأحيان . إذ يبدو أن لها “موضوعا” . ولكن فرويد ، الوفي لمبدئه الأساسي في التأويل ، يبحث عن “المعنى” من ناحية أسباب هذه الأحلام . فالحلم الكبير الإنسجام هو ، بوجه عام ، أبعد عن “معناه الحقيقي” أو عن “معناه السببي” ، من الحلم السخيف الخلقي . فنحن في الأحلام السخيفة لا نجد ما نفهمه ، ويجب بدء التحليل ، أو الإعتراف بالعجز ، أما في الأحلام المنسجمة ، فنظن أننا نفهم ، ويؤدي بنا الأمر إلى غضّ النظر عن البحث في الأسباب ) (المصدر السابق نفسه) .
# السومريون أبتكروا الرمزية الجنسية قبل سجموند فرويد :
———————————————————–
من المصادفات البحثية السعيدة ، أن يوفّر لنا تحليل نصوص يحيى السماوي هذه فرصة نادرة في الإستكشاف العميق والباهر لجذور الرمزية الجنسية التي تُعد من الإنجازات الكبرى لثورة التحليل النفسي على يدي معلم فيينا تحديدا . لقد اشار سجموند فرويد إلى ذلك في مواضع كثيرة من مؤلفاته ومحاضراته ، وخصوصا في كتابه الشهير “تفسير الأحلام” ، حيث قال بأن التصوير الرمزي هو واحد من آليات “عمل الحلم – dream work” المركزية ، وأن الرمزية الجنسية تشكل مكونا محوريا من هذه الأوالية لتيسر نقل الرغبة المكبوتة إلى الشعور وتحقيق إشباعها بتحريفها وتمويهها عبر تلك الرموز . وفي ذلك يشارك الحلم الأعصبة والأساطير والعادات الشعبية في مقدار لا بأس به من هذه الرموز . وفي المحاضرة العاشرة “الرمزية في الأحلام” من كتابه “محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي” قال :
(يرمز الحلم إلى الأعضاء الجنسية للرجل بطرق مختلفة شتى ، فالجهاز التناسلي للرجل يُشار إليه بالرقم المقدس 3. والقضيب يُرمز إليه بأشياء مستطيلة منتصبة كالعصي والمظلات والأغصان والأشجار .. وبأشياء تشترك مع الرموز في قدرتها على ولوج الجسم وإيذائه كالأسلحة بمختلف أنواعها .. ومن الرموز الرمز الشهير وهو الثعبان .. أما الأعضاء التناسلية للمرأة فيُرمز إليها بجميع الأشياء التي تشاركها من حيث وجود فجوة فيها ، أو من حيث قابليتها لأن تكون أوعية أو مستودعات كالحفر والتجاويف والكهوف والقوارير والعلب .. والسفن وخزانات الملابس والغرف والأبواب والخشب والورق والكنائس والمعابد . ويرمز للثديين والأرداف عادة بالتفاح والخوخ والفواكه إجمالا .. أما شعر العانة عند كلا الجنسين فيُصور في الأحلام بغابات وأدغال .. ومن رموز أعضاء المرأة هو المناظر الطبيعية وعلبة الحلي والحلوى والبراعم والزهور .. إلخ . ويؤكد فرويد على أننا نستمد معرفتنا عن دلالة هذه الرموز في الأحلام من مصادر شتى : من الأساطير والخرافات ، من النكات والفكاهات ومن الأدب الشعبي أي مما نعرف من العادات والعرف ، ومن الحكم والأغاني في الشعوب المختلفة ، ومما نعرفه عن لغة الشعر واللغة الدارجة للقوم :
( فحين بحثنا في هذه الميادين المختلفة التقينا بنفس الرمزية ، حتى لنستطيع أن نفهمها ، في كثير من الميادين ، دون علم سابق بها . ولو أننا تأملنا هذه المصادر المختلفة واحدا بعد آخر ، لوجدنا فيها أوجها كثيرة الشبه برمزية الأحلام ، مما يحملنا على الإقتناع بصحة تأويلنا ) (راجع كتاب تفسير الأحلام لفرويد) .
ولكن فرويد في بحثه عن الجذور الاسطورية لهذه الرمزية أكد – وهذا مبرر بحكم ثقافته التوراتية – على الثقافة العبرية وخصوصا “نشيد الأناشيد” . إلا أن محاولتنا في تحليل نصوص يحيى السماوي هذه : “مناديل من حرير الكلمات” ، وفي أثناء محاولتنا تبيين الجذور العراقية لأفكار وصور هذه النصوص ، وعدم علاقتها بنشيد الأناشيد التوراتي ، ثم وصولنا إلى القسم المتعلق بتفسير الرموز الجنسية التي حفلت بها ، ثارت في ذهني ملاحظة لا أعلم لماذا تعطلت هذه المدة الطويلة ، وهي أن الرموز الجنسية التي تحدث عنها سجموند فرويد موجودة حرفيا في أساطير الحب السومرية وخصوصا أناشيد عشتار . وقد وجدتُ أن الباحث والمترجم “قاسم الشواف” قد عرض في كتابه المترجم : (ديوان الأساطير – سومر وأكاد وآشور) بعض تعابير اللغة الغزلية أو الجنسية التي تداولها أدب ذلك العصر سومريا و كنعانيا . ولم تكن التعابير السومرية بهذا الصدد تسيطر عليها دوما الإباحية وصراحة التعبير بل كانت في كثير من الأحيان تلجأ إلى رمزية شعرية جميلة وتوريات واصطلاحات عبّرت بواسطتها عن الغرام والجنس والمضاجعة (راجع الكتاب الأول من ديوان الاساطير بترجمة قاسم الشواف وبتقديم أدونيس) .
وقد وضع الشواف جدولا بالتعابير السومرية التي تخص الرمزية الجنسية نقدمه كاملا لأنه يثبت بما لا يقبل اللبس ريادة الشعب السومري العراقي في تأسيس الرمزية الجنسية الشعرية أولا ، ولنثبت أي ظلم فادح يصيب الثقافة العراقية من خلال محاولة التركيز على هذه الرمزية في نشيد الأناشيد التوراتي أو الأدب العبري ثانيا ، ولنكشف الجذور الحقيقية التي استقى منها سجموند فرويد ومنظروا التحليل النفسي أطروحاتهم حول الرمزية الجنسية في الأحلام والأساطير ، وسنرى أنها أوسع وأرق وأكثر شاعرية من رمزية فرويد ثالثا ، ولنظهر المنابع التي يمتح منها الشعراء العراقيون ومنهم يحيى السماوي وكذلك الشعراء في العالم أجمع رابعا ، ولتكون – خامسا وأخيرا – مرجعا للقراء والباحثين على حدّ سواء .
التعبير السومري المدلول
—————————————————————————————
- نظر إليها بعين قلبه أي بشهوة
- ما يوافق عين قلبك أي ما يُعجبك
- سكب ماء القلب أي سكب منيّه
- ملأ بالماء صهريج إنانا ضاجعها وسكب فيها منيّه
- إنه جدير بالحضن المقدّس جدير بمضاجعة إنانا
- حرث حزام الأحجار الكريمة لإنانا ضاجعها
- التلّة المنتفخة وصف فرج إنانا
- الأرض الرطبة وصف فرج إنانا
- كمقدمة سفينة السماء عضو دوموزي المُنتصب
- وضع ثيرانه للحراثة في الأرض ولج حبيبته الجاهزة للمضاجعة
الرطبة
- تدفق ماء القلب من حضنه سكب منيّه
- إملأ مخضّتي المقدّسة بـ اسكب منيّك
- تأوّه لذة على حضن الحبيبة – لا ضرورة للشرح –
- سوف أنضح القشدة أي أسكب المني
- سوف أبهج روحك – لا ضرورة للشرح –
- سحرتَ سرّتي سحرتَ فرجي
- كم هو منتفخ صدري للتعبير عن الرغبة
- أية فروة كست فرجي بلوغ سن الجماع ؟
- أدخلني إلى حديقته جامعني
- تمدّد فوق قلبي جامعني
- تذوق طلاوة الحجر – لا ضرورة للشرح –
- الإله الذي دعته إلى قلبها لمضاجعتها
- ركن طويلا على صدرها أطال زمن الجماع
- وأطالت بقاءها على حضن حبيبها أطالت زمن الجماع
- سفينته الممشوقة انتصابه
- أريد أن أُغمر بعسلك بمنيّك
- أنا أعرف كيف أمدّد لك قلبك التوصّل إلى انتصاب عضو الحبيب ؟
- الركنة الكنينة الحلوة كالعسل فرج الحبيبة
- نغم مخضّة الحليب تورية لصوت “خفق” الجماع ؟
- فرجها عذب كشراب – لا ضرورة للشرح –
- فرجها وشفتاها عذبة كشراب – لا ضرورة للشرح –
- الساقية لقب الحبيبة التي تسقي الشراب من فرجها وشفتيها
- منحها نغم جسده – لا ضرورة للشرح –
- الرجل – العسل أي الرجل الفاتن
- لبستُ حمالة صدري: ليأتِ ليأتِ أي المغرية التي تدعو الرجل وتجذبه
- تزيّنتُ بحليتي: ليأتِ أي التي تجذب الرجل
- لفّني بنظرته المُلهبة – لا ضرورة للشرح –
- إفتحي له بيتكِ يا ملكتي إقبلي مضاجعته
# الختام : صورتان شعريتان صاعقتان :
—————————————-
1- (بين صباح وجهك ِالقدّيس
وضحى مئذنة جيدك
وظهيرة حرير فستانك ِ الأصفر
الشفيف كدموع العشق
وأصيل شفتيك ِ الناسكتين
وليل شعرك ِ الغجري :
أتدلّى مشنوقاً بحبل ِ
الشغف ) ( النص الثالث والخمسون )
2- ( أساحلاً فيروزياً ترتدين ؟
أم
غيمةً عذراءَ لم تطمثْ زمرّدا بعدُ ؟
البردُ وحشيّ
ألاتخشين البلل ؟
تدثّري برفيفي ..
جدي عذراً للعصافير ..
العصافير التي اصطدمت بصدرك ِ
لعلّها
توهّمتْ ثوبك ِ الأزرق سماءً
شمسُها وجهك ! ) (النص الحادي والستون )
.. ومعها جرعتان شعريتان أخلاقيتان :
1- (مهما ابتعد ظلّي
فإنه ُ
يبقى مشدودا إلى قدميّ
ومن قدميّ يعود
إلى
بيت الطاعة
…….
……………
الحبُ كالكمأ البرّي :
ينبتُ
من تلقاء نفسه

آه لو أعرفُ
أكمأٌ تحت تراب غدي ؟
أم حصى ؟ ) (النص السابع والثمانون )
2- (المفلسُ لا يخافُ اللصوص
لذا
لا أخشى قطّاع الطرق
لكنني
أرتعدُ خوفاً
من
قطّاع الوطن
……….
……………..
حين سرقتني مني
عرفتُ
معنى النُعمى ) ( النص الحادي والتسعون )السومريون ابتكروا

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://m3rouf.mountada.net

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى